الاثنين - 21 سبتمبر 2020
الاثنين - 21 سبتمبر 2020
أحمد المسلماني
إيران 1979.. ولاية اللافقيه
يذهب «محمد سليم العوا» في كتاب «حوارات في الدين والسياسة» إلى أن «الملا أحمد النراقي» هو صاحب نظرية الولاية في الفقه الشيعي، وقد سبق «الخميني» بقرنيْن من الزمان، لكن نظرية «النراقي» كانت في حدود الولاية الصغرى، أي ولاية الفقيه على اليتامى والأرامل والأَيَامى، ففي هذه الحالات الإنسانية الفقيه هو ولي من لا ولي له.جاء الخميني ونقل «الولاية الخاصة» إلى «الولاية العامة»، حيث قال في كتابه «الحكومة الإسلامية: « هل كُتِبَ على الإسلام أن يخسر منذ غيبة الإمام الثاني عشر كل شيء؟، إن غيبة الإمام أدَّتْ إلى غياب الدولة الإسلامية، ومن ثم غيْبة الشريعة، لا يمكننا إعادة الإمام الغائب، لكن يمكننا إعادة الشريعة من خلال إعادة الدولة».قام «الخميني» بتغيير الفقه الشيعي الذي استقر 10 قرون، ليصبحَ الحُكم للفقيه، وليصبحَ «الخميني» نائبًا للإمام الغائب، وعند «الخميني» فإن نائب الإمام أو الولي الفقيه لا يجوز عزله، وتتولى سلطات الدولة إدارة الحياة اليومية لكن الولي الفقيه هو المرجع الأعلى، وله القول الفصل ولا يجوز عصيانه، كما أنه يبقى في موقعه طيلة الحياة يتمتع بكافة السُّلطات، وبلا حدود.وفي مرحلة التحول الفقهي والفكري عند «الخميني» يذكر «سليم العوا» أن «الخميني» أعاد صلاة الجمعة بعد انقطاعها عند الشيعة لمدة 1000 عام، كما أنه أَمَرَ الشيعة بالصلاة خلف أئمة المسجد الحرام في مكة المكرمة، وكانوا من قبل يبقون في الحرم حتى إذا جاءتْ الصلاة خرجوا ولم يُصلُّوا خلف الإمام، وصلُّوا فرادى خارج الحرم.كما أن «الخميني» الذي كان يُسمِّى «أبو بكر» و»عمر» بـ «صنمي قريش»، وكان يسُب «عائشة» والصحابة في كتابه «الفتاوى» لم يَعُدْ إلى ذلك أبدًا.يأخذ البعض ذلك التحوّل على نحو صادق، وليس على محمل السياسة وحدها، ذلك أن «الخميني» كان يتطلَّع إلى حكم العالم الإسلامي سنَّةً وشيعةً، وكانت كل هذه التحولات بمثابة التمهيد لأخذ الشرعية داخل المجتمعات السُّنية ويأخذها البعض ضمن «التقية»، التي تنتهي مع تحقيق الهدف بعالمية الثورة الإيرانية، ليعود إلى أفكاره الأولى.يذكر «العوا» أن «الخميني» لو امتَّد به العمر لكان قد تبرأ مما كتبهُ في حياته الأولى، والواقع أن «الخميني» قد امتَّد به العمر، ومكثَ في منصب «نائب الإمام» عِقدًا كاملاً من الزمان وكان يمكنه أن يعتذر وأن يُسقط ما مضَى من آراء وأفكار، وهو ما يعزِّز الشكوك حول حقيقة التحولات الفقهية عند «الخميني».لم يكن مشروع «الخميني» هو الفقه، بل كان السلطة، ولقد خلَّفت هذه السلطة الديكتاتورية المتطرفة عدّة دول فاشلة، إن الأصل في الفقه هو المصلحة، وفهم الواقع، وتيسير حياة المسلمين، ولقد كان مشروع «الخميني» عكس ذلك تمامًا، لا مصلحة ولا يُسر، لا حفظًا للدماء ولا صونًا للأمة، إنّها ولاية اللافقيه!لقد قاد المشروع الإيراني إلى تمزيق الأمة وجعل المسلمين بعضهم لبعض عدوّاً، ليصبح المشهد الإسلامي في مجمله: هزيمة بلا حرب.
محمد محمد علي
أمريكا.. المعايير المزدوجة
عندما يكون لكَ معيار لنفسك ومعيار مختلف لغيرك، فإنك تعاني عوجاً أخلاقياًقال الأدميرال ستانسفيلد تيرنر، مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (1977–1981)، في محاضرة له بمركز زايد العالمي للتنسيق والمتابعة في أبوظبي بتاريخ 8 يوليو 2003، إن بلاده تنتهج معايير مزدوجة، وليس معياراً واحداً، في التعامل مع الدول المختلفة بحسب صداقتها أو عداوتها للولايات المتحدة الأمريكية.ويبدو أن الولايات المتحدة لا تَقصُر استخدام المعيار، أو المعايير المزدوجة، على الدول وإنما تستخدمه أيضاً مع المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة، فهي لا تريد لهذه المنظمات أن تستقل بقراراتها وتلتزم الحياد بين الدول، فقد أوقف باراك أوباما دعم بلاده لليونيسكو عندما قبلت انضمام فلسطين إليها كعضو كامل سنة 2011، وعام 2017 أعلن ترامب انسحاب أمريكا من اليونيسكو بعد قرارات اتخذتها عام 2017 وضعت فيها الخليل والحرم الإبراهيمي في لائحة التراث العالمي وجعلتهما ضمن فلسطين، وأعلنت الولايات المتحدة سنة 2018 انسحابها من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بسبب موقفه من إسرائيل.وفي بداية هذه السنة (2020) علَّق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعم الولايات المتحدة المالي لمنظمة الصحة العالمية متهماً إياها بالتحيز للصين، والآن جاء دور المحكمة الجنائية الدولية، إذ فرضت الولايات المتحدة عقوبات على كبار مسؤوليها، ومن بينهم فاتو بنسود، المدعية العامة لهذه الهيئة بعدما وسَّعت مجال تحقيقاتها الجنائية ليشمل جنوداً أمريكيين متهمين بجرائم حرب.والحقيقة أن الولايات المتحدة ليست وحدها التي تنتهج المعايير المزدوجة، بل نجد دولاً كثيرة تنتهج سياسات ومواقف معيَّنة، ثم تنتقد دولاً أخرى وتتهمها بفعل ما تفعله هي نفسها! فتلك الدول – مثل الولايات المتحدة – تُجيز لنفسها ما تُحرِّمه على غيرها! وهذا السلوك منافٍ للأخلاق ومبادئ العدل والإنصاف، فعندما يكون لكَ معيار لنفسك ومعيار مختلف لغيرك، فإنك تعاني عوجاً أخلاقياً وخللاً سلوكياً يجب أن تنتبه له.هذا النوع من السلوك المزدوج والمعايير المختلفة والمختلَّة حذَّر منه الحارث المحاسبي (المتوفى سنة 240 هـ / 854م)، فقال: «ومن علامات العدل: ألا تجعل الحُكم حُكمين، فتحكم لنفسك بحكم، وللناس بآخر، حتى يكون الحكم في نفسك وفي غيرها حكماً واحداً، وإنصاف الناس من نفسك».إن الكيل بمكيالين مختلفين ظلم وإنكار للعدل والإنصاف، لكنه للأسف هو المعيار السائد في سلوك كثير من الدول!.
سارة مطر
كتب.. صُنعت بحب
أصدرت الكويتية رانيا السعد كتاباً حمل عنوان « يوميات أم طفل سكر: صباحاتي سكر»، حيث دوّنت السعد يومياتها مع صغيرها الذي أصيب بالسكر، وسلطت الضوء على أهمية تكيّف الأم مع أمراض أطفالها، وكيف تجعل مسألة العلاج أمراً مشتركاً بينها وبين الطفل المصاب.بعدها نشرت الكاتبة السعودية هناء حجازي كتاباً تحت عنوان «مختلف: طفل الأسبرجر.. لكن ليس أقل»، روت في كتابها عن سيرة طفلها المصاب بمتلازمة الأسبرجر، وهذه المتلازمة إحدى الاضطرابات النمائية الشاملة، وتصنَّف ضمن اضطرابات طيف التوحد عالي الأداء، فيما نشرت هتون القاضي كتاباً ساخراً بعنوان «1980 بين جيلين» تحدثت فيه عن سمنتها وحياتها الخاصة.نشر المذكرات الشخصية مثل الكتب السابقة أقرب إلى الشكل الإنساني، هي ثقافة آسرة، أن تطلق الأم خوفها المتفرد إلى العامة، أن تشاركهم ماذا يعني أن يكون لديك طفل مصاب بأي مرض، هي حالة فيها الكثير من القوة والشجاعة، لكي يتحدث الكاتب عن وزنه الذي كان سبباً في تأخر زاوجه.مثل هذه الكتب قليلة جداً، رغم أنها كتب تعتبر شكلاً من أشكال الحب، لا أحد يريد أن يكتب، لا أحد يريد أن يكون صادقاً، البعض يجد أنه صغير للغاية لكي يكتب تجربته القاسية التي مرَّ بها كما يفعل في الغرب، فأنت حينما تتجول في مكتباتهم ستجد كتباً لكل شيء، كتباً تعبر عن خلاصة تجاربهم حتى وصلوا إلى السلام والاستحقاق النفسي والروحي.الآن، الشعب العربي ذهب إلى وسائل التواصل الاجتماعي، لكي يدون مشاعره، صراعاته، وخلافاته مع زوجته أو العكس، لا أحد يريد أن يقرأ كتاباً ينتشله من الألم، ولا أحد يريد أن يكتب خوفاً من وطأة التعبير الفردي.
خالد عمر بن ققه
القيادة.. التقاط وتسخير
نُواجه في إخفاقنا ونجاحاتنا خطاباً يوميّاً، يحمل أحياناً أحكاماً مسبقة ومشاعر كراهية متراكمة، يتعلق بالقبول أو التخويل أو التسليم المجتمعي، ومن ثم القومي، وبعدها الأممي، بقيادة حتمية للشعوب، يحاول البعض أن يجعلها قدراً أو حتماً مقضياً، على النحو الذي بدا لي، فَهْماً، في كلمة الشيخ محمد متولي الشعراوي، حين قال مخاطباً الرئيس محمد حسني مبارك بعد نجاته من محاولة اغتيال في أديس أبابا، عام 1995: « يا سيادة الرئيس، لعلّ هذا يكون آخر لقاء لي بك، فإذا كنت قدرنا فليوفقك الله، وإذا كُنَّا قدرك فَلْيُعِنك الله على أن تتحمّل».تأسيساً على ما سبق، فإن القيادة ليست دائما نعمة، ومع ذلك فإن غالبية البشر تسعى إليها، وكل في حقيقة الأمر يمارسها بطريقته الخاصة، حيث أنها تتداخل مع السلطة، بل إنها أعلاها، وأقصاها، حتى لو ضاقت مساحتها لدرجة قيادة شخص(فرد) لآخر.غير أن هذا التبسيط لجهة تسيير السبيل من أجل فهم واضح، قد يُزيَّف وعي كثيرين لدرجة الاعتقاد أنهم قادة، أو أنه يحق لهم ذلك، بحجة داحضة، هي: أنهم والقادة بشر، ومن قال غير ذلك؟ لكن هل يحق لنا جميعاً أن نكون قادة؟.بالطبع لا، لأن للقادة، وهنا أستعين بتعريف طوني بلير رئيس وزراء بريطانيا الأسبق كما جاء في مذكراته «مسيرة رئيس وزراء»، حين قال: «القادة يقومون بأشياء مختلفة بطبيعتها، ويخاطرون في بعض الأحيان، ويعودون إلى المبادئ الأولى، ويطرحون أسئلة عن الغاية مما يجري، إنهم يتحركون بطرائق مختلفة ومغامرة، وهم معرضون للمعاناة من إخفاقات كبيرة، ومرشحون لتحقيق نجاحات كبيرة».قول بلير هذا يفرض السؤال الآتي: ما الذي يُميّز القَادة عن غيرهم من البشر ما داموا مثل الناس العاديين قد يواجهون الإخفاقات في السلم والحرب، ونعجز عن محاسبتهم لضعفنا وقلة حيلتنا، أو لأنه لا جدوى من المساءلة أو المحاسبة، بعد الفشل؟.بالعودة إلى طوني بلير سنجده، من منظور غربي، وعبر تجارب ديمقراطية تراكمت لعقود، يرى أن الأهم الذي يميز القادة هو: «نظرتهم للمشكلة بطريقة مختلفة.. إنهم يلتقطون الأشياء المهمة ويُسخِّرونها»، يبدو أننا في الوطن العربي، الذي لم يعد كذلك، ندخل قيادياً ببطء شديد مرحلة النظر للمشكلات بطريقة جديدة ومختلفة عن السابق، لكن هذا لا يعني أبداً التقاطنا الأشياء المهمة وتسخيرها، لأننا لم نتفق بعد عن مسألتي الأهمية والتسخير.
عبد الرحمن النقبي
كلمات في خير الإمارات
بالرغم من النأي بنفسي عن السياسة، إلا أنني لم أجد بدّاً من الإدلاء بدلوي، بخصوص ما يتم تداوله في وسائل التواصل الاجتماعي من إساءات بعض إخواننا العرب لدول الخليج وللإمارات بشكل خاص على خلفية معاهدة السلام الأخيرة مع إسرائيل.تاريخنا يحفل بالكثير من الأدلة والشواهد على المساعدات غير المشروطة من جميع دول الخليج للدول العربية بشكل عام والقضية الفلسطينية بشكل خاص، مدّت دول الخليج أيديها لإخوانها العرب، نابعة من محبة خالصة دون نفاق أو رياء ودون انتظار مقابل، وهو أمر يستحق أن يُلاقى بالشكر والعرفان.أستشهد على ذلك بموقف حدث عام 1966، أي قبل قيام دولة الإمارات، حين قام الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان، حاكم أبوظبي آنذاك، بمنح هبة قدرها 700 ألف جنيه استرليني للحسين بن طلال ملك المملكة الأردنية ( كما ذكر جيلبير سينويه في كتابه «الصقر» ترجمة صالح الأشمر)، وهذا المبلغ كبير جداً، خصوصاً بأنه جاء مع بدايات تصدير النفط وفي وقت كانت أبوظبي في أمسّ الحاجة إليه لتأسيس كيانها وتوفير المتطلبات الأساسية لسكانها.هذه الهبة قُدّمت قبل أن تُشقّ الشوارع وشبكات الطرق في أبوظبي، وبالرغم من التأخر في سداد رواتب العاملين في القوى الأمنية لعدة شهور، وإن دلّ هذا على شيء فإنما يدلّ على أنّ الإمارات لم تقدّم المساعدات بعد أن شبع بطنها بل تقاسمت الخبز مع إخوانها العرب حتى قبل أن توفّر احتياجاتها الضرورية.الشاهد في الموضوع، هو : أن الإمارات ساعدت إخوانها قبل حكم الشيخ زايد، رحمه الله، وأثناء حكمه وبعد رحيله، وستبقى الإمارات سنداً وذخراً لإخوانها العرب، وجميع شعوبها محل كل محبة وترحيب.
د. انتصار البناء
أنصت لعالمك الداخلي
نحن نتعرف على العالم وندير علاقتنا معه، عبر خمس حواس ظاهرة ومباشرة، هي اللمس، الشم، التذوق، البصر، والسمع، هي كفيلة بأن تمنحنا صورا ومعلومات واضحة عما حولنا، وقادرة على تحليل تلك المدخلات وتحويلها إلى خبرة خاصة تتحكم في مشاعرنا وسلوكنا ومواقفنا العقلية والعاطفية، لكن ثمة مصادر أخرى للمعرفة والتعامل مع العالم غير هذه الحواس (الظاهرة)، إنها مصادر خفيَّة، قد تكون أكثر تأثيراً في حال تم التركيز فيهاأحد هذه المصادر هو الحدس، وهو خبرة عميقة في العقل اللاواعي، تتجلى إلى العقل الواعي في صيغة صوت يبرز فجأة في لحظة خاطفة، حاملا معه تنبيها خاصا، أو حلا معينا لمشكلة ما، أو يتملك المشاعر في اتجاه محدد يرشد الإنسان للتوقف عن أمر ما أو الاستمرار عليه.كثيرون لا يصدقون هذا الصوت حين يقفز في صدروهم وأذهانهم، البعض وفي ثقافتنا المحلية «يتعوذ من إبليس» بوصف الإحساس المباغت وسوسة شياطين، لكن كثيرون آخرون تدربوا على الإنصات له، واقتفاء أثره، بل وتنميته.كيف يتشكل صوت الحدس؟.. صحيح أن الحدس إحساس غريزي، لكنه ينمو ويصبح أكثر مصداقية مع وعي الإنسان بأهمية تغذيته بالمعلومات الكافية، الأشخاص من ذوي الحدس القوي هم الذين يتميزون بقوة الملاحظة لما يدور حولهم وانتظامها في رصد كل جديد، وهم بذلك أعمق تفكيراً وتأملاً، ومخططون جيدون لحياتهم، ويتميزون بروح متفائلة تمكنهم من الاستفادة من أخطائهم وإعادة استثمار الفرص، إن الممارسات السابقة تجعل الحدس أكثر يقظةً ووعياً، ومبرمجاً نحو خدمة رغبات صاحبه وطموحاته.قوة أخرى من قوى العالم الداخلي هي المخيلة، والفارق بينها وبين الحدس، أن الحدس غريزي في طبيعته، والمخيلة صناعة ذاتية مقصودة من الفرد لتحفيز قواه نحو تحقيق طموحاته، فحين تتخيل نفسك في صورة ما، في موقع ما، في حال معين، فإن جميع حواسك سترصد الطرق المؤدية نحو تحقيق ذلك الخيال، فكل الاختراعات، وكل البطولات، وكل الأعمال الفنية العظيمة، بدأت من وحي الخيال، ثم تبلورت وصارت حقيقة.التمرن على الإصغاء للقوى الداخلية يعيد بناء إيمان الإنسان بنفسه، وثقته في قدراته الذاتية بعيدا عما توفره له الحياة، وهي مهارة استقرائية واستبطانيه للخبرات التي يمر بها المرء، وإعادة تشكيلها لبناء الصورة المرغوبة للمستقبل، وهذا لا يعني أن يتجاهل المرء معطيات الواقع والحقيقة، بل أن يعتني بروحه ويتأمل في عالمه الداخلي، وما يمتلكه من أسرار وقدرات وملكات قادرة على تغيير معادلات الواقع.
د. علي بن حمد الخشيبان
الواقع العربي.. لا ثابت إلا التغير
يرى إبن خلدون، وهو عالم الإجتماع العربي الشهير أن التغير يدل على التقدم والرقي البشري، ويربط التغير الإجتماعي بشكل خاص بمجموعة من الظواهر المستمرة التي تشمل كافة نواحي الحياة الانسانية، كما يؤكد وغيره من العلماء أن التغير سنة بشرية لا يمكن إيقافها، ولكن يمكن إدارتها في الإتجاه الصحيح من خلال الدول ومجتمعاتها.وفي عالمنا العربي وتحديدا منذ بداية القرن الـ 21 ونحن نشعر في كل إتجاه في واقعنا العربي أن هناك كثيراً من نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية تتعرض للتغير.أسوأ أنواع التغير هو ذلك التغير القسري الذي قد تفرضه الحروب أو التوازنات السياسية أو الحالة الإقتصادية أو الحالة الإجتماعية، ولكن في المقابل هناك تغير إختياري ترسمه المصلحة، وهذا النوع من التغير يواجه عادة بكثير من المقاومة من أطراف مختلفة سواء داخل المجتمع أو خارجه.ونحن في عالمنا تداولنا مصطلحات متعددة حول مستقبل منطقتنا، وتحديدا خلال الأربعة عقود الماضية، حيث بدأت تنضج تلك المصطلحات واحدا تلو الآخر، إلى أن وصلنا إلى الصيغة النهائية التي تمَّ الاتفاق على تداولها: (الشرق الأوسط الجديد).ولعل السؤال المهم هنا يدور حول أحقية المنطقة ودولها في التعامل مع هذا التغيّر، والحقيقة أن هناك كثيراً من حالات التغيّر القسري التي أنتجتها الحروب والصراعات الإجتماعية والثورات، التي اجتاحت المنطقة خلال العقدين الماضيين، ولكن على الجانب الآخر هناك فرص تم استثمارها بشكل صحيح بهدف إحداث النقلة النوعية للتغير الإختياري المدروس، وقد شاهدنا كثيراً من الدول العربية وخاصة الخليجية تمارس هذا النوع من التغيّر في سبيل استجابتها لسنة الحياة،وحفاظا على مسيرتها التاريخية وحماية للأبناء من الأجيال الجديدة.والسؤال الذي يمكن أن نوجهه إلى مناهضي التغيّر ومنتقدي مسارات التغيير: هل لكم أن تخبرونا من المستفيد من حالة الطوارئ ومثبطات التطور طوال عقود؟، ومن المستفيد الأكبر لجلعلها تستمر لعقود أخرى؟، بينما يمكن لدول كثيرة في العالم العربي أن تتقدم وأن تحقق إنجازات سياسية وإقتصادية وإجتماعية دون خوض في جنون الإرتياب المتواصل من التغيير وتحقيق الإنجازات.علينا أن نستفيد من تجارب العالم من حولنا وخاصة من الدول التي تجاوزت الزمن وانتصرت عليه، وهي في أحلك لحظات الهزيمة، ولن نكون بحاجة إلى البحث عن هذه الدول، لأنها أصبحت تقود العالم في مجالات تقنية وإنجازات بشرية يصعب تصورها، لولا أنها أصبحت حقيقة.
د. عبد العزيز المسلم
اللغة والثقافة
اللغة الأم، أو اللغة الأصيلة، لكل شعب هي المحرّك الأول لثقافته ولصناعاته الثقافية، كما أنها هي الوسيلة الأولى للتعبير عن مشاعر وأحاسيس المجتمع، من خلال الآداب التي ينتجها المجتمع بواسطتها ودلالاتها المتنوعة.فالشعر والقصة والرواية وغيرها من الأجناس الأدبية، إنما تُنتج بواسطة اللغة، من خلال تركيب الكلمات والجمل ضمن سياقات متعددة، التي تُصوّر الحالات والمشاهد والأحاسيس، بصور بلاغية من خلال جماليات اللغة.أما اللغة الثانية الأجنبية التي يتعلمها الناس في كل بلد ليست ثقافة بحد ذاتها، لكنها مفتاح للثقافة ووسيلة للولوج إلى منبع ثقافي آخر والتعرف عليه، فكم من مُتْقِن للغة أخرى غير لغته، لكنه مُتخلِّف وله عقل مغلق مُقفَل بألف قفل.حكمة جميلة قالها الأديب الراحل نجيب محفوظ حينما سُئل عن الذين يتفاخرون بالتحدث بلغة أجنبية، قال عندها: «تحدثك باللغة الإنجليزية مع شخص عربي مثلك، لا يدل إطلاقاً أنك إنسان مثقف، بل أنك إنسان جاهل لِلُغتك، ومحروم أيضاً من جمالها».وتزعم نظرية سابير – ورف: «أن بنية اللغة التي يستعملها الفرد في العادة تؤثر في الطريقة التي يفكر بها ويتصرف تبعاً لها»، ولاحظ ورف: «أن الناطقين بالإنجليزية يعتقدون أن الزمن تسلسل خطّي لأحداث يدل عليها نسق يتكون من ماض وحاضر ومستقبل، مثل: جرى ويجري وسوف يجري، أو عدد صحيح من الأيام، 10 أيام مثلاً».أما الأستاذة الجامعية الألمانية كلير كرامش، التي لها كتاب جميل بعنوان (اللغة والثقافة) فتقول: «إن اللغة نسق من العلامات نعدّه ذا قيمة ثقافية، لأن المتحدثين بها يعبّرون عن هويتهم وهوية الآخرين من خلال استخدامهم لها، فهم يرون أن استخدامهم للغتهم رمزٌ لهويتهم الاجتماعية، ومنع استخدامها رفضٌ لهويتهم الاجتماعية وثقافتهم، وعليه يمكننا القول: إن اللغة ترمز إلى واقع ثقافي».يتكون الكتاب من 3 أجزاء و7 فصول، يبحث الكتاب في العلاقة الوطيدة بين اللغة والثقافة، وتقدم لنا الكاتبة كلير كرامش تعريفات لأهم المفاهيم مثل: السياق الاجتماعي، والأصالة الثقافية، وهي تستخدم نتائج الأبحاث المختلفة في مجالات اللسانيات وعلم الاجتماع والدراسات الثقافية.