الخميس - 22 أبريل 2021
الخميس - 22 أبريل 2021
د. أسامة أحمد المصطفى

جورج فلويد.. انتصار العدالة

الموقف من قضية جورج فلويد يتعلق بمسألتين رئيسيتين، العدالة والوعي بالمسؤولية!فالعدل لا ينبع من المنطق بل من الخير الذي يولد من الحكمة، إذا كانت هذه العدالة مادة يتشكل تركيبها المادي منها في كل ما يُسكب، فهي دم في دمه ونفس في روحه، وضياع الحرية يجعل المساواة تُفقد العدالة نفسها، ويجعل الظلم يصبح شخصاً متجسداً.في هذا السياق، قالت هيئة المحلفين كلمتها بأن الشرطي ديرك تشوفين قاتل جورج فلويد مذنب وحققت فضيلة العدالة، التي تتلخص في الاعتدال بالحكمة، مؤكدين أن السلام أهم من العدل، ولم يتم خلق السلام من أجل العدل، على العكس من ذلك، أقيمت العدالة من أجل السلام.إذا استطاع المرء القضاء على الشعور بالبحث عن العدالة، فمن السهل بالنسبة له أن ينظر إلى الحياة على أنها مغامرة! قد يختلف الناس ظاهرياً في هذا الأمر، لكنهم لم يختلفوا في الواقع، لأنهم يبحثون عن الحق الجميل مع العدل، هكذا نرى العدل لديه أرجل وأيادٍ ينصف المظلوم ويعاقب الظالم، بذلك يُصنع العالم بالحرية والحب، ويحفظ بالعدل والكرامة، هذا ما يتعلمه الناس الآن في شوارع وميادين المدن الأمريكية.إنه موضوع هيئة المحلفين ودعاة الإنسانية والحرية والعقل والعدل دون أن تفقد هذه المفاهيم دورها وتصبح شهود زور، لهذه الشعلة التي تشتعل في داخل ملايين البائسين والمحرومين في العالم، شعلة البحث من أجل الحرية والحقيقة، قيمة الوطن، مهما كان، أن يجد المرء فيه العدل أكثر من أي مكان آخر، وأن يجد فيه الحب أكثر من أي مكان آخر، وعندما تخلو البلاد من الحماية والعدالة والمحبة، يصبح الناس يائسين.حتماً ستتحقق العدالة عندما يتجاوز عدد الذين يأملون عدد الذين يمتلئون باليأس، لا ينبغي أن نتعامل مع شعارات الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية على أنها مجرد إشارات للتدمير، لا أحد يستطيع أن يمنح أحداً الحرية، ولا أحد يستطيع أن يمنح الآخر المساواة أو العدالة، بالتأكيد هذه هي الأسس السليمة للسلم.هكذا يجب التحدث إلى العدالة، فالإنسان عندما يطبق القانون ويحقق العدالة يكون أسمى من المخلوقات الأخرى، فإن أكبر معركة يجب أن يخوضها الإنسان، هي معركته مع نفسه من أجل العدالة، ويجب أن ينتصر فيها بحب العدل على شهوة الكراهية والحقد، فهل انتصار العدالة لجورج فلويد بداية الأخوة الإنسانية؟

د. نصر محمد عارف

ما أحوجنا لـ«عرفجة»

حكى الأصمعي المتوفى 831 أنه كان يطوف حول الكعبة المشرفة، ورأى رجلاً يتعلق بأستارها، ويدعو في تضرع شديد مناجياً ربه: «اللهم ميتةً كميتةِ عرفجة»، فتحير الأصمعي من هذا الدعاء الغريب، رجل يدعو الله بأن يموت مثل صديقه، أو قريبه «عرفجة»، وكان من المنطقي أن يثور في ذهن الأصمعي السؤال المركزي في هذه القضية: كيف مات «عرفجة»؟ سار الأصمعي خلف ذلك الرجل حتى انتهى من طوافه، وسأله: كيف مات «عرفجة» الذي تدعو الله أن يرزقك ميتةً مثل ميتته؟هنا كانت الإجابة صادمة، فعرفجة لم يمت في موقف فروسية، ولا دفاعاً عن أهل ووطن وعرض، ولم يمت في أيّ حالة من الحالات التي تعود الناس أن يفتخروا بها، أو يروها من علامات حسن الخاتمة.وكان جواب صاحب «عرفجة» واصفاً كيف مات بأنه: «أكل حنيذاً، وشرب نبيذاً، ونام في الشمس فمات شبعان ريان دفآن».فكل الحكاية أن «عرفجة» أكل لحماً مشوياً على طريقة أهل اليمن، وشرب عصير عنب غير مخمر وغير محرم، ونام في حالة من الدفء، فتحققت له الثلاثية الأخطر في حياة البشر التي حرمت منها المليارات منهم في هذا الزمان، وهي الطعام والشراب والدفء أو المأوى.نموذج «عرفجة» بعيداً عن البعد الفكاهي الطريف فيه، يقدم لنا في هذا العصر درسين مهمين، خصوصاً ونحن في شهر رمضان، أولهما: على المستوى المجتمعي والإنساني، وهو أن هناك من البشر ملايين، بل مليارات يتمنون ميتة «عرفجة»، ويحتاجون إلى جهود من الدول، والمنظمات الإنسانية كي تحقق لهم الحد الأدنى من الحياة بالنسبة لنا، أو إن شئت فقل الحد الأعلى بالنسبة لهم، وهنا نتذكر ما حققته الصين في عام 2020 بالقضاء على الفقر المدقع، وإخراج أكثر من 850 مليون إنسان خلال 40 سنة من حالة الفقر المدقع إلى الحالة الإنسانية، وكانت السياسة الصينية تتبع نموذج «عرفجة» وهو تمكين هذه الملايين من الطعام الصحي، واللباس، والمسكن الكريم.أما الدرس الثاني من نموذج «عرفجة» فهو: فردي على مستوى الإنسان في هذا الزمان الذي سيطرت عليه الأشياء، وتراجعت فيه قيمة الإنسان، وسعادة الإنسان أمام ملكية الأشياء التي تحولت إلى غاية في حد ذاتها، فقد أصبح الإنسان يملك الأشياء لا ليسعد بها، وإنما لهدف الملكية ذاته، دون أن يكون له علاقة بالسعادة، وتضاءلت قيمة العطاء أمام تغول قيمة التملك، و«عرفجة» يذكرنا أنها وجبة طعام، وشراب طيب، ونوم هانئ.. وعلى الدنيا السلام.

مارك لافيرني

قناة السويس ومستقبل الممرّات المائية

طالبت الشركة التايوانية التي تمتلك السفينة التي علقت في قناة السويس ستة أيام في شهر مارس الماضي، الهيئة العامة للقناة بدفع غرامة تبلغ 900 مليون دولار، وهو تطور يمثل بداية لمواجهة قضائية معقدة وطويلة المدى، ولا تزال السفينة التابعة لشركة «إيفرغرين» التايوانية راسية بحمولتها الضخمة البالغة 24 ألف حاوية في منطقة البحيرات بعد أن نجحت 400 سفينة بعبور القناة ووصلت إلى مقاصدها عقب الحادث.وكان من محاسن الصدف أن السفن المتأخرة لم تكن تحمل شحنات المواشي الحية، ويمكن للمرء أن يفترض أن حمولاتها كانت تتضمن قطع غيار السيارات والهواتف اليدوية والشاي وقطع الأثاث وغيرها، المصنوعة في آسيا والمتوجهة نحو الأسواق الأوروبية، ويقال إن هيئة القناة، وبالتالي الخزانة المصرية، ربما تكون قد تكبدت خسائر تراوح بين 10 و15 مليون دولار يومياً أثناء الإغلاق.إلا أن الخسارة الكبرى لا تقف عند هذا الحد، بل تتعلق بضخامة مبلغ الغرامة الذي تطالب به الشركة المالكة للسفينة، والذي يؤكد أن قناة السويس ليست محصّنة ضد الحوادث الطارئة أو الهجمات الإرهابية المحتملة التي يمكنها تعطيل المبادلات التجارية بين الشرق والغرب.وتمثل بعض البدائل الممكنة والتي يمكن تشغيلها للاستغناء عن خدمات القناة، احتمالاً مقلقاً بالنسبة لمصر لأن القناة تُعتبر المساهم الأكبر في دعم الميزانية المصرية، وبعد أن أصبحت الصين «مصنع العالم»، كرّست جهودها لإنجاح استراتيجية «طريق واحد، جسر واحد» والتي تتلخص ببناء خطوط السكك الحديدية والطرق السريعة الحديثة التي تربطها بأوروبا عبر بلدان آسيا الوسطى، وسوف يؤدي استخدام هذه الطرق الجديدة إلى تخفيض زمن الرحلة إلى أوروبا إلى 15 يوماً، بالرغم من أن القدرة الاستيعابية للطرق البرية أقل بكثير من قدرة السفن التي تعبر الطريق الآخر أو قناة السويس.ولعلّ أكثر ما يثير القلق هو التطور السريع لفكرة استخدام الطرق والممرات البحرية البديلة التي يتيحها انصهار الصفائح الجليدية للقطب الشمالي، فخلال الشتاء الماضي، تطلّب الأمر 11 يوماً فقط، حتى تمكنت سفينة تجارية من قطع المسافة بين الصين وميناء روتردام الهولندي، أو ما يعادل ثلث المسافة البحرية التي تصل بين البلدين عن طريق قناة السويس، وبعد أن بلغ الحجم الإجمالي للتبادل التجاري باتباع ذلك الطريق 32 مليون طن عام 2020، فإن من المتوقع أن يصل إلى 80 مليون طن عام 2024.إنها بلا شك أخبار سيئة لمصر وللعالم أيضاً.

لبنى الهاشمي

الصيام وكورونا.. تجربة روحية وصحية

تأثير الفيروس كورونا على الشعائر الدينية لن يطال الصيام بحدّ ذاته، لكنّه سيلغي كلّ ما يرافقه من لقاءات عائلية، وتجمعات احتفالية، والتخلي عن عادات المصاحبة من موائد سحور وعزائم. رمضان سيبقى حاضراً بروحانياته الدينية، دون كثير من عاداته المجتمعية، والنداء الحنون لباغي الخير بأن يأتي ويقبل، والنداء المعاتب لباغي الشر بأن يكفّ ويقصر. هذه الأيام الاستثنائية هي إعانة للعباد للإقبال على الطاعة، وتزكية لقلوبهم وتعزيز للتقوى، زد على ذلك مضاعفة الأجر، وفي هذا من الفضل والخير ما لا تبلغ مداه العقول، فإن لم نُرِ الله من فضائل أعمالنا في شهر رمضان ما يحبه ويرضاه عنا فمتى إذاً؟ ولهذا رب ضارة نافعة، قد تكون الجائحة تجربة فريدة أن يعيش الفرد رمضان بعيداً عن الأشكال المظهرية، وغالبًا ما تكون تلك الممارسات بعيدة عن مقاصد وأهداف هذا الشهر الحقيقية، بل تؤدي إلى فقدان المعنى الصحيح لغايات وروحانيات رمضان، بل عكس الحِكمة التي شرع من أجلها. استغلال هذه التجربة الجديدة، لكي نعيد لهذا الشهر الكثير من معانيه المفقودة، ومقاصده الشرعية المنسية، بل بزاده الروحي والإيماني، تتحقق التقوى المرجوة من مدرسة الصوم. لا تقتصر فوائد شهر رمضان في زمن الأوبئة على الجوانب الروحية، بل الجوانب الصحية، الصوم لا يؤثر على احتمالات إصابتنا بالفيروس المستجد، سلباً أو إيجاباً، بل الصوم يمكن أن يحمينا من احتمالات إصابتنا بالفيروس المستجد، إذ هناك دراسات تشير إلى أنّ الأكل بعد الانقطاع عن الأكل لأكثر من 14 ساعة يقوي جهاز المناعة، وذلك أحد الأهداف الصحيّة من الحميات الغذائية الرائجة والمسماة بالصوم المتقطع، والتي تفيد أيضاً في تخليص الجسم من السموم.. «صوموا تصحوا».

خليفة جمعة الرميثي

فصل الدين عن السياسة

كان في العصور الوسطى للكنيسة قوة وسلطة كبيرتان على جميع الدول والملوك في أوروبا، فاستولت من خلال رجالها على الثروات وأصبحوا يتحكمون في كل نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولأنهم لا يملكون الخبرة لإدارة هذه المجالات انتشر الجهل والفقر في القارة، فكان حل الكنيسة هو التوجه إلى العالم الإسلامي الثري، وبذلك ظهرت الحملات الصليبية باسم الدين للحصول على نور وثروات الشرق. وبعد سنوات وحملات عديدة اكتسب فيها الفلاحون والفقراء الأوروبيون القوة كجنود في الحملات الصليبية، ثم عادوا إلى دولهم، ليجدوا أنفسهم تحت حكم وعبودية الكنيسة مرة أخرى، ولكن هذه المرة كانوا قد تشبعوا بأفكار جديدة من المسلمين، بعدما اكتشفوا أن رجال الدين عند المسلمين لا يتحكمون في أمور الدولة، وأنهم معنيون فقط بما ينفع الناس، من خلال القضاء والافتاء والعبادات، وبالرغم من أن الخليفة أو السلطان يعتبر رجل الدين الأول، لكن كان لديه رجال متخصصون في الاقتصاد والتجارة وصناعة يفهمون فيها، ومن هنا ظهرت في أوروبا فكرة فصل الدين عن السياسة. في بدايات القرن الـ20 أطلقت جماعة الإخوان المسلمين، كجزء من صراعها السياسي في مصر مع الحكومة شعار «الإسلام دين ودولة»، وذكر الأب الروحي لجماعة «الإخوان» سيد قطب أن شعار «فصل الدين عن السياسة» عائد إلى مفهوم (أوروبي ـ كافر) بفصل الكنيسة عن الدولة، وتم الترويج له من قبل أتباع ومناصري جماعة الإخوان بهدف أن تصل الجماعة إلى السلطة والحكم باعتبار أن الإسلام (دين ودولة). يرى بعض الباحثين أن مصطلح (العلمانية) في الأصل مشتق من كلمة العالم، وليس كما ترجمها الإخوانجية مع مصطلحات أخرى من أجل أن يستغلوها في توجهاتهم وأخذتها للأسف مجامع اللغة في الوطن العربي بدون تدبر وفهم للمعنى الحقيقي في ذلك الوقت مثل كلمة (التنوير)، والحقيقة أن مفهوم (فصل الدين عن الدولة) هو أن تهتم الدولة بشؤون التنمية المجتمعية مثل: تنظيم التجارة والاقتصاد والصحة وقوانين التعمير والبناء والمرور وتنظيم التعاون السياسي مع الدول الأخرى. إن «فصل الدين عن الدولة» يعني حماية الدين والعقيدة من العابثين بهما، وعدم السماح باستغلال الشعائر من أجل إشباع مصالح بعض المنظمات أو الأشخاص، عن طريق رفع شعارات «دينية» لاستغلال عواطف الجمهور، وبالتالي الحيلولة دون التحول إلى دولة طائفية لا تعترف بالأديان الأخرى، وهذا يخالف توجه الدين الإسلامي.

د.عماد الدين حسين

الامتحانات.. والواقع الجديد

اعتاد العالمُ أنماطاً محدّدة من الاختبارات على مدار عقودٍ، واستعداداً للامتحان يعتكف الطالب أو المهني في صومعته شهوراً ضمن معسكرِ تحضير وتأهيل، إلا أنّ واقع الجائحة غيَّر المعادلة، وشاعت الحسرة لكثرة ما يتم تأجيل الاختبارات خاصة «المفصليّة» منها وذات «التنافسية الشديدة» لأهميتها أكاديمياً ومهنياً ودورها في تحديد المسار الأكاديمي والمهني. هاتفني أحد أبنائي منذ فترة من أمريكا الشمالية، ونبرات صوته يعتريها التذمّر، بثّ لي شكواه: «لا أعرف ما أقول، تم تأجيل الاختبار للمرة الثالثة، وفي كلّ مرة أمضي في طريقي من حيث أقيم إلى مقرّ الاختبار أكثر من 4 ساعات، وفي اللحظة الأخيرة يتم التأجيل، وأعود أدراجي متحسّراً على ما أنفقته من وقت وجهد في الاستعداد ورحلة السفر». ويُكمل سرد نفس الحكاية في رسالة مطولة أحد المحامين عن الشهور التي أمضاها في الاستعداد لاجتياز اختبار مهني في مجال المحاماة في دولة أفريقية، فإذا به يُفاجأ قبل الموعد بأيام بتأجيل الاختبار لظروف كورونا. وقبل ذلك بأسابيع تواصل معنا العديد من الطلبة والباحثين والمهنيين ممن كانوا قاب قوسين أو أدنى من الحصولِ على شهاداتٍ مهنية واجتياز اختبارات مفصلية في رحلتهم العلمية والعملية، لولا الإجراءات الاحترازية الاستثنائية التي حالت بينهم وبين مرادهم، ولكن تعطّلت قاطرة الإنجازاتِ بسبب التأجيلات لعدة مرات، واعتلى المشهدَ شيئ من الضبابية وعدم وضوح الرؤية المستقبلية حتى من اجتازوا الاختبارات، لم يحققوا طموحهم الوظيفي بعد، في ظل شبه الإغلاق في العديد من مناطق العالم. بالطبع هنالك مؤسسات تكيّفت مع ظروف الجائحة، وتمكّنت من إتمام إجراءات الاختبارات عن بُعد، إلا أن العديد من الجهات تشترط الحضور الشخصي لطبيعة تلك الاختبارات، خاصَّة في مجال الطيران والمجالات العملية. إلى كل من تعثّرت مسيرتهم العلمية أو المهنية، إنها لأقدار بأن تخوضوا رحلة التأهيل والتمكين في خضمّ الجائحة، فإما التأقلم مع ما يطرأ من مستجدات، وإما مقاومة التغيير ومغادرة القطار عند أقرب محطة، وتأجيل الرحلة، أو تغيير المسار. طوبى لمن ارتدى رداء القبول والرضا والمرونة، ففي الوقت الذي تأجلت خطوة تحسبها مصيرية، خسر الكثيرون أعمالهم وتقطّعت بهم سبل العيش الكريم، وفَقَد أكثر من 3 ملايين حياتهم، مخلفين أحبة يُكابدون الفقد والألم، ولا يزال 180 مليون مُصاب يصارعون فيروساً جائحاً جامحاً.

عبدالله النعيمي

الجفاف المعرفي

أكثر ما يثير دهشتي وأنا أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، تفوق أطروحات بعض المغردين المغمورين على أطروحات أشخاص يقدمون أنفسهم على أنهم مثقفون وأساتذة جامعات وأصحاب خبرات واسعة في مجالي الصحافة والإعلام. هذه الملاحظة الشخصية، أعادت إلى ذاكرتي مقولة للمفكر الفرنسي جان بول ساتر «يبدو لي أن كل ما أعرفه عن حياتي، تعلَّمتْهُ من الكتب!». فعلاً، فالكتب مخازن المعرفة، ومتى انفصل الإنسان عنها، يعود إلى حالة الجفاف المعرفي من جديد، مهما كانت درجته العلمية ومهما بلغت مكانته الفكرية، فالمعرفة تحتاج إلى تجديد مستمر لتبقى حية وقابلة للتداول، وبدون هذا التجديد تتحول إلى ما يشبه الأوراق الصفراء المهترئة، مصيرها التجاهل والإهمال. قبل سنوات طويلة زارنا في الجامعة بروفيسور عربي، يحمل معه سيرة ذاتية حافلة بالأمجاد القديمة، ونظراً لمكانته العلمية المرموقة رافقه رئيس القسم إلى قاعة المحاضرات، وقدمه لنا قبل المحاضرة الأولى، فأنزلناه منزلته وأنصتنا له باهتمام. لكن بمرور الأيام، بدأنا نلمس انفصاله التام عن الواقع، وعدم إلمامه بمستجدات العصر، وإصراره على غمرنا بمعلومات قديمة تجاوزها الزمن. عندما نقلنا إلى رئيس القسم ملاحظاتنا الشخصية حول البروفيسور الزائر، أذكر أنه اعترف بأنهم تسرَّعوا في التعاقد معه، وأشار إلى حقيقة مهمة مفادها: أن الألقاب العلمية الرفيعة والسير الذاتية المتخمة بالخبرات في كثير من الأحيان تكون خادعة، ولا تعبر بدقة عن حقيقة الإنسان. أعود لمقولة سارتر وأقول: إن آفة الكثير من المثقفين اليوم أنهم توقفوا تماماً عن القراءة، وركنوا إلى معارفهم القديمة، يعيدون اجترارها ما بين الحين والآخر.

د. محمد عبد الستار

الجزائر.. كورونا وفتوى الوضوء

في الوقت الذي يجري النقاش على الصعيد العالمي حول تأثير مختلف السلالات الجديدة لوباء كورونا على الوضع الصحي الدولي، مثل السلالة البريطانية والجنوب أفريقية والهندية وغيرها، وهناك نقاش آخر عن «قوة الدول» تبعاً لسبقها في اكتشاف اللقاحات، مثل روسيا والصين وبريطانيا والولايات المتحدة والهند وإسرائيل وغيرها، ويجري نقاش آخر عن العالم ما بعد كورونا خاصة في المجال الاقتصادي أو السياسي أو حتى العلاقات بين الدول. في الجزائر هناك نقاش آخر، لا يتعلق الأمر باللقاحات التي يعرض عنها الشعب الجزائري بشكل ملحوظ، وليس عن الشراكة الجزائرية الروسية لإنتاج لقاح سبوتنيك في، وتصديره لأفريقيا، إنما حول بيوت الوضوء في المساجد التي لم «تجز» فتوى وزارة الشؤون الدينية فتحها، رغم «إجازتها» فتح المساجد لصلاة التراويح، وقالت الوزارة أنها استندت لقرار اللجنة العلمية حول كورونا التي يرأسها وزير الصحة، والتي ترى أن بيوت الوضوء قد تكون سبباً في نقل العدوى. وخرج وزير الشؤون الدينية شارحاً القرار بقوله: إن الفطريات تكثر في بيوت الوضوء، وإن الاستنثار والاستنشاق هما سببان رئيسيان لانتقال العدوى، كما أبقت الوزارة على فتواها بعدم ترك المصاحف في متناول المصلين حتى لا تنتقل العدوى من خلال اللمس، رغم تطبيق البروتوكول الصحي في المساجد. لكن مقابل ذلك، تم فتح المراحيض في المقاهي والمطاعم والجامعات والمدارس وغيرها من الأماكن، ما جعل المصلين لا يقبلون بهكذا «فتوى»، ثم شن أحد الأئمة حملة نقد على الوزارة في خطبة الجمعة، قائلاً: هل أصبح وباء كورونا مسلماً يدخل بيوت الوضوء فقط؟ وهل كورونا لا تنتقل عن طريق العملات الورقية التي يتم تداولها يومياً بشكل واسع حتى تنتقل عن طريق لمس المصاحف في المساجد؟ وخلص إلى القول: لقد أصبح المصلون يتوضؤون في المقاهي ثم يتجهون إلى المسجد للصلاة. ولقي الفيديو الذي تم بثه عبر مواقع التواصل الاجتماعي رواجاً واسعاً، وما كان على الوزارة إلا توقيفه عن «الإمامة» ثم تحولت القضية لقضية رأي عام من خلال حملة التعاطف الكبيرة مع الإمام. وهكذا، كما قال بعض مستخدمي الفيسبوك: لم تفصل كورونا الجزائريين عن العالم فحسب، بل منعتهم من الوضوء في المساجد وأبعدتهم عن قراءة القرآن في المساجد في شهر القرآن. وكان يتعين على الوزارتين: الصحة والشؤون الدينية تقديم الشرح المقنع، فالمواطنون اليوم وعلى صعيد دولي، إما أن تقنعهم، وإما أن تتحمل ردة فعلهم.