الخميس - 23 يناير 2020
الخميس - 23 يناير 2020
شارك
الأكثر قراءة
الأقصوصة.. وجبة فكرية سريعة
بقلم: د. معراج أحمد الندوي أستاذ بجامعة عالية ـ كولكاتا - الهند الأقصوصة هي وسيلة لبثّ القيم الخلقية والإنسانية والتمكن العقلاني والمنهجية العلمية والسلوكية وتطور الملكات والمواهب، تطرح القضايا وتنشر الوعي وتستغرق الأحداث وتتطلع للمستقبل، ولها تأثير كبير، حيث تدعو إلى الالتزام الفكري والواقعية في طرح القضايا المعاصرة، كما تهدف إلى المتعة والمنفعة والالتصاق بالواقع الاجتماعي.وهي عبارة عن قصة قصيرة تعنى بحادث واحد، وتركز عليه كل اهتمامها، كما تعالج الموضوع أو الفكرة من التاريخ أو تثير حادثة يومية، ثم تملؤها بالوصف والحوار والتعليق على ما قد يظهر بين ثنايا القصة من فجوات في حقائق الأحداث.لقد احتلت الأقصوصة مساحة كبيرة في الأدب والفكر بسيرها على مواكبة المتغيرات، وإدراك معطيات العصر ووعي توجيهاتها ومفاهيمها القادرة على إيصالها إلى القيادة الفكرية والسياسية، وتأثيرها في الجماهير الشعبية بوسائلها الجذابة، وهي في خصوصيتها وعبر تقنياتها وأركانها وبنيتها وطبيعتها توفر للكاتب فرصة للتعبير عن خلجاته النفسية مما يشاهد في المجتمع، ولا تقوم على بناء الأحداث وتطورها وتوالدها، بل تحكي الحكاية بالحديث عن واقع موجود.وتعتمد الأقصوصة على أحداث متباعدة، تفقد التماسك والتلاحم، فهي لا تمثل لحظة زمنية جاءت إلى مكان محدود، وإنما الأحداث والأمكنة تدور حول الشخصية في تباعد وطول عهد، غير أن الأحداث ذات علاقة بالمجتمع، ما دعاه لأن يستجلي خباياها ويضيف عليها روح الحياة.لقد تبلورت الأقصوصة وأصبحت قوية النسيج، متماسكة البناء، تتواصل مع الشكل القصصي الفني وتسير في إطاره، بل أخذت تتشعب في اتجاهاتها وأشكالها الفنية، وهي اليوم عبارة عن وجبة فكرية سريعة تخاطب العقل والفكر عن طريق الشعور في لحظة زمنية.
صواريخ الـ«بان كيك» الإيرانية
بقلم: زينب المهداوي إعلامية وكاتبة ـ الجزائرمنذ 25 عاماً وأكثر، لم تتغير قناعاتي أن الحليف الأكبر لأمريكا والغرب هو إيران! رغم كل التحليل والنقاشات على أساس الخطر والعقوبات والتهديدات.لقد لعبت إيران ـ تاريخياً ـ دوراً مهماً في التوغل الغربي إلى العمق العربي ضمن مخططات أصبحت اليوم واقعاً، فأمريكا كانت تراقص إيران على أنغام طبول الحرب العالمية والدمار الكوني للبشرية، وكانت دائماً تلعب وتؤكد العداء الأزلي والمحتوم للإرهاب الفارسي، وطبعاً السيد سوبر أمريكا المحب والراعي لحقوق الإنسان سيأتي لنجدة المنطقة بالتكنولوجيا والأسلحة المتطورة لردع البعبع الفارسي القادم على صواريخ شديدة الدمار، والتي تهدد أمن وسلم العالم أجمع.فبعد نصف ليلة رعب عاشها كُثر تحت الإنذار والصفارات المُعلِنة قيام الحرب العالمية الثالثة، اكتشفنا صباحاً أن الصواريخ الإيرانية عبارة عن كعكة PANCAKE وضعت فوق طاولة ترامب الإعلامية داخلياً وخارجياً لتدغدغ الإعلام ككل مرة لأجل أن تعلن واشنطن الحرب على أعداء الإنسانية والعرب.من جهتها إيران تكبّر بسقوط الموتى في صفوف أمريكا عدوة الإسلام (الله أكبر)، وفي الوقت نفسه تنشر قنواتها الرسمية صور الاستقبال الدبلوماسي رفيع المستوى لقاسم سليماني في الجنة وفرحته بجائزة الشهيد البطل هناك (في السماء)، أما في الأرض فإنه الانتقام الرادع للكفار.وللحظات، ومع النفخ والجرعات الإعلامية للأخبار في مختلف القنوات والمحطات التلفزيونية، ومنصات التواصل الاجتماعي المضادة والمساندة، ها هو سراب الفيلم الإيرانو ـ أمريكي يرفع ستاره ليتضح الحدث بسقوط 16 صاروخاً على قاعدة أمريكية.. وأين؟ في العراق!المشوّق في الرواية أن إيران وضمن قواعد الحرب والعداء لأمريكا تعمل بطريقة سرية جداً، فلقد أبلغت الحكومة العراقية بالضربة (طبعاً الموالون لن يبلغوا أمريكا بالحدث الجلل)، ومن جهة أخرى أرادت إيران أن تؤكد لواشنطن وكذلك العالم أن الإنسانية في الروح الفارسية أقوى من أيّ انتقام، فهي طبعاً لا تريد أن يموت «الأعداء» بل فقط تريد إعطاء صفعة حنونة لكي لا يتطاول دونالد لقتل قائد إيراني آخر، فبفعله هذا ستهدأ شوارع طهران قليلاً ليحتشد أبناء الخامنئي حوله انتقاماً للشهيد الفارسي.وهنا فعلاً أشهد أن قلوب الإيرانيين حنونة وطيبة.. وسبحان الله، القسوة الإيرانية لا نشاهدها إلا على الأراضي السورية والعراقية واليمنية وغيرها من الأراضي العربية، ولكن حتى نكون منصفين فهناك تفسيرات علمية للتغيرات بين الطيبة والعداء، التي تكمن ضمن عامل الاحتباس والاحتقان (الحراري والحضاري)، والأهم فيما حدث أننا نحمد الله أن إسرائيل لم تكن في مرمى «الصواريخ الكعك» ولو مزاحاً.فعلاً!.. عظمة واشنطن في عهد رجل الأعمال دونالد ترامب هي الدافع المسبق للحماية من البعبع الإيراني، ورغم جرأة طهران هذه المرة إلا أن قرار الرئيس الأمريكي هو: تغليب العقل، وفرض المزيد من العقوبات، والحث على الحوار السياسي.هنا أكاد أجزم بأن ترامب ليس بمهرج أبداً، ولا يتصرف على هواه، أما تصريحاته التي يقال عنها أنها دون مرجعية وهي من نبع إرادته الشخصية فهي ليست إلا كذبة أخرى، ففي الظاهر هكذا تبدو المسرحية، لكنني أرى العكس تماماً، أنه المنفذ الأصلح في هذه الفترة لكل مخططات الشرق الأوسط الكبير مع ملحقه شمال أفريقيا.وأخيراً، ترامب سيسعى للوصول وتحقيق أهداف مسطرة منذ سنوات، ودور إيران أساسي في خلط الأوراق، فترامب ومعه بعض زعماء الغرب يؤدون مهام ضمن توزيع جدولي ووقتي بحسب المتغيرات الجيوسياسية في المنطقة العربية.. فما هي الوصفة الآتية من المطابخ الأمريكو ـ إيرانية والغرب في مقبل الأيام؟
No Image
المغرب والجزائر.. « أخوة رياضية» دائمة
بقلم: يوسف العيرجي صحافي رياضي ــ المغربأصبحت الرياضة بشكل عام، وكرة القدم بصفة خاصة، تلعب دوراً مهماً في تأكيد العلاقة الأخوية التي تجمع بين الشعبين المغربي والجزائري، بعيداً عن صراعات رجال السياسة في الجارتين الشقيقتين.فقد بصم المنتخب الجزائري على أداء جيد خلال نهائيات كأس العالم 2014 التي جرت أطوارها بالبرازيل، حيث نجح «ثعالب الصحراء» في بلوغ الدور الثاني، قبل أن يخرج مرفوع الرأس، ضد منتخب ألمانيا بطل الدورة، بعد اللجوء إلى الأشواط الإضافية، كما أن تألق «الخضر» في المحفل العالمي مكنهم من كسب تعاطف كل العرب، وعلى رأسهم جارهم الشقيق المغرب، حيث تزينت المقاهي والشوارع المغربية حينها بأعلام الجزائر، وتحول المواطن المغربي إلى جزائري، في إشارة إلى العلاقة المتينة التي تربط بين الشعبين.وانتظر الشعب الجزائري 4 أعوام بعد ذلك، ليرد الجميل إلى جيرانه المغاربة، عندما قدم دعمه المعنوي الكبير لـ«أسود الأطلس»، خلال مشاركة المنتخب المغربي في نهائيات كأس العالم الأخيرة بروسيا، مكرساً بذلك عمق الترابط بجاره المغربي.وقُبيل بداية نهائيات كأس أمم أفريقيا، مصر 2019، أطلقت مجموعة من الصفحات المغربية والجزائرية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حملة «خاوة خاوة»، الهادفة إلى تشجيع الجمهور المغربي لمنتخب الجزائر، والحال ينطبق على الجماهير الجزائرية مع المغرب.ثم جاءت أولى مباريات الجزائر والمغرب في «الكان»، لتجد عبارة «خاوة خاوة» نفسها، تخرج من المواقع الافتراضية إلى أرض الواقع، بانخراط كبير ودعم لا مشروط قدمه أنصار «أسود الأطلس» للمنتخب الجزائري، وبتشجيعات لامتناهية بمختلف الوسائل، منحها عشاق «ثعالب الصحراء» لمنتخب المغرب.من جهة أخرى، فإن العلاقة المتينة التي تربط بين الجزائريين والمغاربة تظهر أيضاً خلال مباريات الأندية فيما بينها، وفي المنافسات القارية والعربية، وقد تأكد ذلك في المواجهات التي جمعت الوداد الرياضي المغربي باتحاد العاصمة الجزائري، في السنوات الثلاث الأخيرة، على صعيد دوري أبطال أفريقيا، سواء عندما التقى الفريقان في نصف نهائي نسخة عام 2017، أو مباريات الجولة الأولى من المجموعة الثالثة للنسخة الحالية.كما حظي أنصار شبيبة القبائل الجزائري باستقبال أخوي في المغرب، من طرف جمهور الرجاء الرياضي المغربي، على هامش مباراة الفريقين في دوري أبطال أفريقيا، قبل أن تخصص جماهير الشبيبة استقبالاً مماثلاً للرجاويين في مدينة تيزي وزو الجزائرية.وتكرست أواصر المحبة والعلاقة الأخوية بين المغرب والجزائر في مباراة أخرى جمعت الرجاء بمولودية الجزائر، برسم ربع نهائي كأس محمد السادس للأندية الأبطال، حيث حظي الفريق المغربي باستقبال كبير من نظيره النادي الجزائري.وعمت فرحة كبيرة «الجراد» كما يُلقب جمهور الرجاء، و«الشناوة» لقب أنصار المولودية، بمجرد تأهل الفريق الجزائري إلى الدور ربع النهائي على حساب القوة الجوية العراقي، بعدما وضعت القرعة المتأهل من هذه المباراة في مواجهة «النسور الخضر».وتناقلت منصات التواصل الاجتماعي الخاصة بمحبي الرجاء، وعشاق المولودية، مجموعة من الصور لجمهور الفريق الأخضر، يحظى باستقبال أخوي من طرف الجزائريين عامة، و«الشناوة» بشكل خاص، ناهيك عن تجوله وسط شوارع وأزقة العاصمة الجزائر، كما لو أنه بالدار البيضاء.لقد أكدت كرة القدم ولا تزال في كل مباراة جمعت بين الأندية المغربية والجزائرية، على صدق ومتانة العلاقة، والعادات، والتقاليد، فضلاً عن أواصر القرابة العائلية، التي تربط بين الشعبين.فعلاقة «الجراد» بـ«الشناوة»، وأنصار الوداد باتحاد العاصمة، والشبيبة بحسنية أكادير وغيرها، من المبادرات، التي يقوم بها الشعبان الشقيقان، هي رسائل يجب الوقوف عندها كثيراً، واستيعاب مضامينها من طرف رجالات السياسة، ومسؤولي البلدين، حتى يكون لها رجع صدى إيجابي، يقوي أكثر مما يضعف الأشقاء.. فهل سيتم التقاطها سريعاً أم سيطول الانتظار؟
أخطائي العشرة في الإعلام الأسري
بقلم: سعيد بن محمد العمودي ممارس ومستشار إعلامي - الإماراتالإعلام الأسري.. إعلام متخصص حاله كمثل الإعلام الصحي والإعلام السياسي، وكذلك الإعلام الرياضي، بغض النظر عن المنصات المرئية والمسموعة والمقروءة والتفاعلية، التي يتواجد فيها، وله أهمية خاصة.. هنا عرض لأخطائي العشرة في هذا المجال منذ عام 2001، يمكن ذكرها على النحو الآتي:أولاً ـ تهجئة كلمة «الأُسَريَّة» بفتح السين وتشديد الياء، والصواب في ذلك «الأُسْريَّة» تسكين السين وتشديد الياء.ثانياً ـ الخطأ من الناحية النفسية والبيولوجية، فعقل الأطفال ليس بمستوى واحد، فالطفل ذو السنوات الثلاث مختلف في إدراكه عن الطفل في السابعة من عمره.ثالثاً ـ حَكر الإعلام الأسري في قضايا الزواج والطلاق فقط، وإهمال قضايا الشيخوخة والتقاعد وتمكين الأبناء وفهم نفسية الفتيات وأكثر من 100 موضوع متنوع.رابعاً ـ صناعة برامج وفقرات سطحية لا ترتكز حول تعليم الطفل بالترفيه، والتوجيه الإعلامي الجاد.خامساً ـ عدم الاستثمار في التوجه نحو الإرشاد والعلاقات والإعلام الأسري حتى وقت متأخر.سادساً ـ عدم الإيمان بأهمية الدراما في توجيه الأسر والأفراد نحو قضايا بالغة الأهمية.سابعاً ـ الخصوصية وتهميشها في تناول الاستشارات الأسرية عبر المنصات الإعلامية.ثامناً ـ النظرة القاصرة في ضرورة إيجاد مذيعين صغار في سنهم وكبار في قدراتهم، يقدمون الرسالة الإعلامية لنظرائهم.تاسعاً ـ عدم تحقيق الفاعلية وبدء الاتصال التلقيني باتجاه واحد من المرسل وإلى المستقبل فقط.عاشراً ـ الخجل غير الصائب البتة في تناول مواضيع التربية الجنسية، فالأولى طرحها مع مراعاة تقاليد المجتمع ومرجعية الذوق والأدب.
من ينقذ مدينة القدس؟
بقلم: عبدالغني الشامي صحافي ـ فلسطينيعتبر العام المنصرم 2019 واحداً من أسوا الأعوام التي مرت على مدينة القدس منذ احتلالها في يونيو 1967، حيث نفذ الاحتلال فيه 300 عملية هدم بنسبة 48% من عمليات الهدف، التي تمت في الضفة الغربية، وذلك بزيادة 100 عملية هدم عن عام 2018.‍ومن بين الوحدات السكنية التي هدمها الاحتلال 72 وحدة سكنية في «وادي الحمص» في القدس مرة واحدة، و22 محلاً تجارياً في مخيم شعفاط، وذلك في أكبر عمليتي هدم في تاريخ المدينة المقدسة منذ عام 1967 ليصبح بذلك عدد المنازل التي هدمها 5 آلاف منزل فلسطيني.‍وعلى الرغم من الاقتحامات اليومية من قبل مئات المستوطنين اليهود للمسجد الأقصى، إلا أن الاحتلال فرض قيوداً على إقامة المقدسيين في مدينتهم، وسحب هويات 16 ألف منهم خلال السنوات الأخيرة، وذلك بهدف تفريغ المدينة المقدسة من سكانها الأصليين واستبدالهم بمستوطنين يهود.‍واتبعت إسرائيل سياسة تهجير الفلسطينيين إلى خارج مدينة القدس، وقامت بعمليات تضييق على عمليات البناء للفلسطينيين من خلال الشروط التعجيزية لعملية الترخيص، حيث يطلب الاحتلال من المقدسيين مبلغ 70 ألف دولار رسوم ترخيص شقة سكنية واحدة، وهو ما يعادل ثُمن الشقة ذاتها.‍ويسعى الاحتلال من خلال عدم منح التصاريح للمقدسيين للبناء إلى استجلاب المستوطنين اليهود بدلاً منهم، وضم كتل استيطانية كبيرة للمدينة المقدسة، ما دفع 140 ألف مواطن مقدسي إلى الانتقال إلى الأحياء المحيطة في مدينة القدس، كما قام الاحتلال بمصادرة معظم الأرضي الفلسطينية الواقعة شرقي مدينة القدس وبناء 4 أحياء يهودية عليها و15 مستوطنة.
الساحة (4)
الصمت.. لغة الغيم العابر
بقلم: نبيل عرابي كاتب ـ لبنانالوقت: قبل غروب الشمس بساعة تقريباً.المكان: على بُعد أمتار قليلة من امتداد الشاطئ، حيث تلفظ الأمواج أنفاسها الأخيرة.صورة مشهد السماء: انتشار كثيف لأعداد هائلة من الغيوم، بتشكيلات مذهلة من حيث التجمّع والتفرّد والتراصف والتباعد.وكلّما صارت إحدى الغيمات أو مجموعة منها في مواجهة مع الشمس، ازدادت صورة المشهد روعة، حتى إذا ما اجتمع أكبر قدر من التفاصيل، تشكّلت حالة من الاستفزاز الحقيقي لعدسة مصوّر ينتظر فرصة أو حدثاً ما.. لريشة رسّام استقرّت منذ زمن على طاولة منسية.. لقريحة أديب تراكم الغبار عليها بقدر ملحوظ.. لموسيقى عازف ابتعدت نوتات أي لحن جديد عن خياله، لمسافات لا يُستهان بها...تساءل: ترى.. هل تملك هذه العابرات لغة خاصة بها..؟ وهل لديها مفردات وعبارات وجمل تعبّر بها عن تكوّنها وتلاشيها.. عن المناطق التي تشكّلت في أجوائها، والتي مرّت فوقها قبل اختفائها؟ترى، هل هناك من قواسم مشتركة بين حياته، وهذه الماضيات فوق رأسه يومياً دون استئذان ودون إيلاء أي اهتمام لرغبات بني البشر؟لا يزال يحدّق في السماء، وكأنه يودع الغيمات التي صار نظره بالكاد يميزها، ليستقبل مجموعات أخرى، استفزّت فيه حبّ التعرّف إلى ما قد تحمله في انتفاخها، لكنه عاد إلى واقعه من جديد، فقد غابت الشمس، وأصبح الأفق داكناً، فمضى في طريق العودة إلى بيته، لكن صدى ما كان يتردد في رأسه، قائلاً:«الصمت هو لغتنا.. الصمت هو لغتنا».
الساحة (4)
الاستفادة الروسية من مقتل سليماني
بقلم: أحمد الباز باحث في العلاقات الدولية - مصرلطالما استفادت روسيا من الأزمات الدولية، ولا يبتعد مقتل قاسم سليماني على يد الولايات المتحدة الأمريكية عن هذا الأمر، حيث ستحصد روسيا العديد من المكاسب جراء هذه العملية، سواء سياسياً أو اقتصادياً.‍سياسياً، فإن أي ضغوطات على الجانب الأمريكي أو تلويح برحيل القوات الأمريكية من العراق من شأنه تأكيد الرسالة التي تقولها روسيا دائماً: إن الولايات المتحدة حليف غير موثوق به، علاوة على أنه ليس كفئاً لحفظ الأمن والاستقرار كما يُشاع، وبالتالي ستكون رسالة موسكو لدول الشرق الأوسط ومنطقة الخليج أن الأصدقاء الأمريكيين سيتركونكم في وقت الأزمة، بينما نحن لم ولن نترك حلفائنا مهمها حدث، وتاريخ تحالفاتنا مع دول الشرق الأوسط يثبت ذلك، وبالتالي فإننا نحن مستعدون لإعادة إنتاج هذا التاريخ لنأخذ مكاننا كحليف موثوق.‍ورغم أن العلاقة بين موسكو وطهران تبدو على مستوى جيد، إلا أن أي ضعف في بنية الوجود الإيراني في سوريا - بمقتل القائد سليماني - سيصب بالتأكيد في مصلحة روسيا ويعطي لها مساحة أكبر من الحركة والسيطرة على مسارات الأزمة السورية، بل وعلى ما قد يُخطط له الرئيس السوري بشار الأسد.‍اقتصادياً: فإن أي أزمة في المنطقة تعني ارتفاعاً في أسعار النفط، وهو أمر يصب في مصلحة روسيا باعتبارها دولة مُصدرة للنفط، وأي دولار زيادة سيدعم الخزينة الروسية في ظل العقوبات الأمريكية.‍إلا أنه وفي الوقت نفسه، لا تفضل روسيا أن يصل التصعيد الإيراني الأمريكي إلى مستوى خطير، لتظل إيران صداعاً في رأس الولايات المتحدة الأمريكية، كما أن أي تصعيد يعني تقوية للنفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط والخليج وتعميقاً للعلاقات الأمريكية بدول المنطقة، وهو النفوذ الذي تسعى روسيا لكبحه بأي شكل.
رؤية في الظلام
بقلم: د. فضيلة ملهاق روائية وشاعرة - الجزائر وقع في نفسه سكون الشارع وقعاً مختلفاً، جذبه إلى عوالم بعيدة.. اتَّكأ على سور الشرفة وبسط ذراعيه باسترخاء، ومجّ السيجارة بنهم من يستفيد من آخر اللحظات من الحياة، فارت الذكريات وتراصّت صفوفاً صفوفاً، وكأنه فيلم سينمائي..!ها هو ذلك الشاب البسيط المُعدم يتقفى أثر أحلام كانت تبدو مستحيلة، ويعود بها مُروّضة مُنقادة! أصبح رسّاماً مشهوراً، ويسكن حياً راقياً، وتزوّج ماريا، رفيقة الطفولة، وهديّة الغربة، انطفأ وهج السيجارة، وتوهج إحساسه بتلك المصادفة التي جمعتهما مرة أخرى، في بلد آخر، أسدل الستار وتحسَّس مساره في الظلام حتى لا يقضّ مضجعها، بدت له الغرفة تستضيء من وجهها الخمسيني، الذي لا يزال يحتفظ بنضارة الشباب.كل شيء أصبح يَعِدُ بالهدوء والحلاوة، بعد أن اكتمل تحقق أحلامه، وأقام معرضاً كبيراً في بيت طفولته، ذاق أخيراً نكهة النجاح التي كان يشتهيها، تشبّث بذراعها، وغفا بارتياح، حين أن سمع صوت خشخشة، قفز من السرير بهواجس مسننة، طقطق القفل، وانفتح الباب، ولم يُمكّنه الوقت، ولا روْعُه، أن يتبيّن إن كان انفتح بمفتاح أم بكسر القفل، وقف كتمثال الشمع وسط دورية من الرجال المدججين بالسلاح والشراسة، وانقلبت الشقة في لحظات إلى مجمّع خردوات.- وهج السيجارة يغنيك عن نور المصباح! خفّاش موهوبٌ! ومُقتصد!.. قال المقتحم باستهزاء.ثم جال ببصره بين مجموعة من الرسومات، وأضاف:- من شركاؤك في مخطط الظلام؟- مخطط! «رؤية في الظلام» هو عنوان معرضي الأخير، الذي جسد الإحساس بالأعماق.. ردّ بهلع.أشار ذلك المقتحم إلى لوحة استخرجها من قبو المنزل، وأطرد بمزيد من الثقة الشّرسة:- تتعمق في الترويج لأفكار متطرفة، ظلامية! والمصيبة أن اسمك صالح، وأنت خطر على الأمن الإنساني!- أيّ خطر! هذه مفاجأة لـماريا، هذا أوّل بيت جمعنا أنا وهي، كان على بساطته صرحاً قوياً، جعلنا نتجاوز ضغط الظروف، وعوائق المعتقدات.- مصادفة، أن تُسجّل حدثاً يخُصُّنا! وتُظهر تلك اللافتة القديمة التي انتزعناها يومها من مدخل المدينة!.. أليس كذلك؟- صدّقني، هي لماريا.. ليست للعرض، ستكون هدية عيد زواجنا المقبل.. قال يبرئ نفسه.- تريد توريط زوجتك؟ أو من كانت زوجتك.. قال المتحدث وهو يرفع من وتيرة التهديد.- كانت زوجتي!.. صرخ بقلق... اقتحمت ماريا الغرفة، وهجمت عليه باهتياج:- «اتفوه»، وحش، خائن، لم تعد موجوداً بالنسبة إلي!وقف حائراً، مذعوراً، حاول أن يلحق بها، فاعترضه ذلك المقتحم، وأخبره بنبرة تطفح بنشوة الانتصار:- انفجرت قنبلة في الحي القديم، وفقدت ماريا أخاها، تبنّت العملية جماعة متطرفة تُسمى «رؤية في الظلام»! تحقّقت رؤيانا في غمضة عين! لم تعد زوجتك.- أوهمتموها بأنني وراء ذلك!نظر إليه، وهو يضطرب كطير أخطأ السكين مسلكه في رقبته، وقال له بنبرة متشفية:- مثلما هي الرؤية فن، تحقيق الرؤيا أيضاً فن، يا فنّان! ها ها ها..!تسلل النور الطبيعي عبر شقوق النوافذ، وقفز انتباهه إلى الشارة التي تتصدر كتف مستجوبه، فصرخ مستنكراً:- هذه شارة العابثين بلوحات التاريخ.. كيف وصلتم إلى هنا من دون أن ينتبه لوجودكم رجال الأمن، أو يعترضكم نباح كلاب الحي؟!نظر ذلك المقتحم إلى زملائه وقال، يُصعّد من نبرة استخفافه به:- الخفّاش الأعشى استدرك بصره في النور! يريد أن يستثير رؤيا أخرى! لم يكتف بما أريْناهُ!ملأ نور النهار الغرفة، فاستقوى به صالح على خوفه، وقال لأولئك المقتحمين، بنبرة تحدٍّ:- اعبثوا بما شئتم من اللوحات، النور لا تمحوه خرابيش الظلام.