الثلاثاء - 18 يونيو 2024
الثلاثاء - 18 يونيو 2024

تكتل «شرق المتوسط» يعيد رسم خريطة الغاز في المنطقة

يعيد منتدى شرق المتوسط للغاز، الذي أعلن عنه أخيراً، رسم خريطة استثمارات قطاع الغاز في الشرق الأوسط، ويبني تحالفات جديدة تدفن عداوات وصراعات الماضي، ويشيد مكانها شبكة علاقات ومصالح تجارية قوية تمد جسور تعاون إقليمي دائم ومفتوح وطويل المدى سيكون له عميق الأثر، ليس فقط في الساحتين الاقتصادي والسياسي بالمنطقة، ولكن في مشهد الطاقة الإقليمي والعالمي أيضاً.

ويحول المنتدى، الذي يضم في عضويته مصر والأردن والسلطة الفلسطينية وإسرائيل واليونان وقبرص وإيطاليا، منطقة الشرق الأوسط التي تضم نحو 30 في المئة من إجمالي احتياطات الغاز العالمية المؤكدة، من منطقة كانت حتى الأمس القريب تلهث وراء استيراد الغاز الطبيعي لسد احتياجاتها، إلى منطقة قادرة على تصدير الغاز إلى باقي دول العالم، خصوصاً الأسواق الأوروبية والآسيوية.

يستهدف المنتدى الذي سيكون بمثابة «أوبك الغاز»، خفض كلفة البنى الأساسية لصناع الغاز، وطرح الغاز في الأسواق العالمية بأسعار تنافسية، ودعم الدول المنتجة من خلال التعاون مع الدول المستهلكة وتلك التي تمر أنابيب الغاز عبر أراضيها.


وبحسب دراسة لمعهد أكسفورد لدراسات الطاقة، فإن ثورة الغاز، التي حولت المنطقة بصورة درامية من منطقة تعجز عن تلبية الطلب المتنامي على الطاقة إلى منطقة لديها إمكانات هائلة للتصدير، اكتسبت وتيرة متسارعة عقب اكتشاف حقل «ظهر» في مصر عام 2015، والذي يضم نحو 30 تريليون قدم مكعبة من الغاز، وحقلي «تمار» و«لويثان» في إسرائيل عامي 2009 و2010، اللذين يضمان معاً نحو 32 مليار قدم مكعبة، وحقل «أفروديت» القبرصي، الذي اكتشف في عام 2011 ويضم نحو تسعة تريليونات قدم مكعب من الغاز، فضلاً عن حقل للغاز قبالة سواحل السلطة الفلسطينية يضم نحو تريليون قدم مكعبة من الغاز.


ورغم الإمكانات الواعدة لهذه الحقول فإن هناك اعتبارين مهمين يحولان دون استغلال إمكانات هذه الحقول، أولهما وجود الغاز الطبيعي في هذه الحقول على أعماق هائلة ما يجعل استغلالها غير مجد اقتصادياً ما لم يتم الإنتاج على نطاق واسع يفوق قدرات سوق كل دولة على حدة، في حين يتمثل الاعتبار الثاني في قدرة المنتدى على بيع الغاز المستخرج إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية بأسعار تقل عن مستوى الأسعار السائدة وبشروط أكثر يسراً، بصورة تخلق طلباً دائماً على الغاز المستخرج من هذه الحقول وتبرر الاستثمارات الهائلة المطلوبة من أجل تحويل فكرة المنتدى من حلم إلى حقيقة. ويتيح الاتفاق للأعضاء في المنتدى الحصول على إيرادات ضخمة من تصدير الغاز بما يدعم اقتصاداتها، في وقت تتراجع فيه العوائد التقليدية التي كانت هذه الدول تعتمد عليها لتمويل ميزانياتها.

ورغم أن الغاز الطبيعي لا يشكل حالياً سوى جزء محدود من مزيج الطاقة في دول الشرق الأوسط، فإن اكتشافات الغاز تسمح لدول المنطقة بتنويع اقتصاداتها وتقليص اعتمادها على واردات النفط وسد العجز المزمن في ميزانياتها، والذي يدفعها إلى الاستدانة وطبع النقود على حساب مكافحة التضخم وزيادة كلفة المعيشة التي تفجر المظاهرات الشعبية.ورغم أن المنتدى ما زال يخطو أولى خطواته، إلا أن المعضلة الأولى التي ستواجهه هي الاتفاق على كيفية نقل الغاز من الدول الأعضاء المنتجة إلى أسواق الدول المستهلكة.

ولا يزال نقل الغاز عبر خطوط أنابيب بديلاً مطروحاً، إلا أنه ينطوي على صعوبات سياسية وتقنية هائلة تعترض طريقه فضلاً عن كونه مكلفاً للغاية، ونتيجة لهذه الصعوبات تفضل الدول المنتجة حل تسييل الغاز ونقله عبر ناقلات عملاقة، وهذا الحل ليس فقط أقل كلفة، وإنما يتيح للدول المنتجة أن تبحث عن الدول المستوردة القادرة على دفع أعلى سعر مقابل الغاز. ومن الناحية العملية هناك حاجة ملحة للتكامل بين بديل نقل الغاز عبر خطط الأنابيب، وبين محطات تسييل الغاز لنقله عبر الناقلات.

ولا يمكن بطبيعة الحال أن تبني كل دولة على حدة محطات تسييل وموانئ تحميل بسبب ضخامة الكلفة، ومن هنا تبرز أهمية وحتمية التعاون الإقليمي.

تعقيدات السياسة تكبل الاقتصاد

تشكلت العلاقات السياسية بين دول المنطقة عبر عقود من الصراعات السياسية حول ترسيم الحدود البرية والبحرية، ليس فقط بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وإنما أيضاً بين لبنان وإسرائيل، وتركيا واليونان، وتركيا وقبرص، وسوريا وإسرائيل.

ويقول الخبراء إن نجاح التكتل يعتمد على قدرته على خفض كلفة الاستكشاف والنقل والتخزين والتسييل وبيع الغاز بأسعار وشرط معتدل تضمن استمرار الطلب.

ويدرك أعضاء المنتدى أن ضآلة حجم الاستهلاك المحلي تفرض عليهما ضمان أسواق دائمة لتصدير الغاز لتبرير الاستثمارات الضخمة المطلوبة لاستغلال هذه الحقول.

وتأمل مصر التي تستضيف مقر المنتدى بالاستفادة من الموقع الاستراتيجي لقناة السويس والجسر البري الذي تشكله بين آسيا وأفريقيا وبنيتها التحتية المتطورة لصناعة الغاز لتصبح مركزاً عالمياً لتجارة الطاقة.

ثورة الغاز تشعل صراع تكتلات الطاقة الإقليمية

ويترك المنتدى عدداً من الدول التي تملك احتياطات شبه مؤكدة من الغاز خارج عضويته في مقدمتها لبنان وسوريا، كما أن هناك عدداً من كبار منتجي الغاز في العالم خصوصاً روسيا وقطر وإيران سيتضررون من تأسيس المنتدى. ورغم أن المنتدى ترك الباب مفتوحاً أمام من يرغب من الدول في الانضمام إلى عضويته مستقبلاً، إلا أن انضمام هذه الدول إلى المنتدى يبدو أمراً صعباً في ظل الخلافات السياسية، خصوصاً بين تركيا وإسرائيل، وتركيا وقبرص، وتركيا واليونان، كما أن الحرب الأهلية التي تمر بها سوريا حالياً لا تسمح لها بالتفكير في هذه الخطوة.

ويظل الاحتمال قائماً في أن تلجأ هذه الدول إلى تشكيل تجمع أو منتدى خاص فيما بينها يكون منافساً لمنتدى شرق المتوسط، ما يشعل صراع تكتلات الغاز في المنطقة، خصوصاً أن هناك تكتلاً مماثلاً هو منتدى الدول المصدرة للغاز الذي تستضيفه قطر منذ عام 2001، ويضم في عضويته 12 دولة وخمسة مراقبين، وتسيطر خمسة دول فقط من الأعضاء هي روسيا وإيران وقطر وفنزويلا والجزائر على 73 في المئة من الاحتياطي العالمي من الغاز، و42 في المئة من الإنتاج.

وتبني كل من روسيا وتركيا بالفعل خط أنابيب السيل التركي، الذي يضمن لتركيا الحصول على احتياجاتها من الغاز بأسعار تفضيلية ويحولها إلى مركز لتجارة الطاقة عبر نقل الغاز من روسيا إلى أوروبا. وبطبيعة الحال، فإن منتدى شرق المتوسط لا يحرم تركيا من القيام بهذا الدور فقط، لكنه يقلص من اعتماد أوروبا على صادرات الغاز الروسي، التي تمثل نحو 80 في المئة من واردات أوروبا من الغاز، ما يعني تقليص قبضة روسيا على أسواق الطاقة الأوروبية، وهذا ما يفسر مباركة أوروبا لتأسيس منتدى شرق المتوسط وحضور ممثل شؤون الطاقة الأوروبي في حفل تأسيس المنتدى في القاهرة.

الغاز يزيح النفط عن عرش الطاقة أوسطياً

ومن المتوقع أن ينمو الطلب العالمي على الغاز نتيجة تحول الكثير من الدول بعيداً عن استخدام الفحم والطاقة النووية.

ومن المتوقع أن ينمو الطلب بنسبة تسعة في المئة سنوياً، أي ما يزيد على 150 مليار متر مكعب خلال السنوات الخمس المقبلة، وتمثل الصين وحدها نحو 80 في المئة من الطلب العالمي.

وتشير التقديرات إلى زيادة الطلب العالمي على الغاز الطبيعي بصفة خاصة الغاز المسال، إذ زادت واردات أكبر خمس اقتصادات آسيوية من الغاز بنسبة 12 في المئة في عام 2018.

وبحسب شركة «بريتش بتروليم»، فإن الغاز الطبيعي سيشكل نحو 60 في المئة من استهلاك الطاقة في الشرق الأوسط، ما يعني أن الغاز سيزيح البترول عن عرش الطاقة في المنطقة، في حين سيرتفع نصيب الطاقة المتجددة من مزيج الطاقة في دول المنطقة من واحد في المئة فقط حالياً إلى أكثر من ثمانية في المئة بحلول عام 2040، تماشياً مع التوجهات العالمية.

وارتفع الطلب على الغاز في منطقة الشرق الأوسط التي تضم نحو ثلث الاحتياطات العالمية من الغاز خلال الفترة بين عامي 2006 حتى 2016 بنحو 25 تريليون قدم مكعبة.

وتتوقع بريتش بتروليم ارتفاع الطلب من 47 مليار قدم مكعبة عام 2015 إلى 73 مليار قدم مكعبة عام 2035، نتيجة التوسع في بناء المدن الجديدة، والحاجة إلى مزيد من محطات تحلية المياه، ومواجهة تداعيات التغيرات المناخية