الأربعاء - 24 يوليو 2024
الأربعاء - 24 يوليو 2024

استخدام لا أخلاقي للذكاء الاصطناعي في إنشاء محتوى مرئي خادع

نشر أحد المستخدمين على منتدى Reddit الشهير، في نوفمبر عام 2017، عدة مقاطع فيديو إباحية مصنوعة بالكامل، هذه المقاطع تم إنتاجها بواسطة برامج متطورة تستخدم الذكاء الاصطناعي، وتعمل على وضع وجوه ممثلات هوليوود الشهيرات على أجساد نساء أخريات وبطريقة متطورة يصعب فيها اكتشاف عملية التزوير بسهولة، وحمل حساب هذا المستخدم اسم deepfake أو ما يمكن ترجمته باسم «التزييف العميق» للدلالة على التقنيات المستخدمة في هذا العمل.

بعد عامين فقط من ظهور تلك التقنية أصبح المصطلح مستخدماً على نطاق واسع للدلالة على مقاطع الفيديو التى يتم التلاعب بها أو تلفيقها باستخدام برمجيات الذكاء الاصطناعي. فتحت تلك التقنيات شهية البعض لتقديم مقاطع كوميدية على يوتيوب، بينما أثارت الرعب بين المراقبين والسياسيين، خوفاً من التأثيرات السلبية التي يمكن أن تحدثها مقاطع مزيفة في الأحداث الكبرى، مثل الانتخابات وغيرها، خاصة أن الدراسات الحديثة في هذا الموضوع تؤكد ازدهار ونشاط هذا النوع من أنواع التزييف إلا أنه مستمر في الولاء لجذوره الأصلية: المقاطع الإباحية.

مؤسسة Deeptrace المتخصصة في الأبحاث حول تقنيات التزييف الحديثة، والتي تعمل على تطوير أدوات يمكنها اكتشاف المحتوى الزائف أو المزور وبيعها لمؤسسات الأخبار والمنصات الإلكترونية، قامت بعمل استطلاع مؤخراً لرصد الوضع الحالي للتزييف العميق، وأكد البحث وجود ما يقرب من 15 ألف مقطع فيديو معروض على الإنترنت تم تزييفه بدرجة عالية من الجودة، وهو الرقم الذي يتجاوز ضعف ما كان متواجداً على الشبكة منذ 7 أشهر فقط، وأكد البحث أيضاً أن نسبة 96% من تلك المقاطع تنتمي للنوعية الإباحية.


وعلى الرغم من أنه لا يمكن اعتبار هذا البحث شاملاً، إلا أن نتائجه تقول، إنه على الرغم من المخاوف العامة من أن تؤدي تلك التقنية إلى زعزعة الاستقرار أو التأثير في الأحداث السياسية، إلا أن الاستخدام الحالي لتلك التقنية يتحرك في اتجاه مختلف تماماً بالتركيز على الجانب الإباحي وأحياناً التحرش. إلا أن أخطر المعلومات المتعلقة بهذا الاتجاه هي أن الأدوات التقنية المطلوبة لتنفيذ أعمال التزييف العميق أصبحت أكثر تطوراً ومتاحة على نطاق واسع.


ويصف التقرير البيئة التي تزدهر فيها تلك المقاطع عبر مواقع الويب والمنتديات الجماهيرية، حيث يتشارك المستخدمون تبادل التجارب والأدوات والتعاون الجماعي لإنتاج مثل هذه المقاطع المزيفة، وهناك أيضاً نمو ملحوظ في اتجاه تجاري عبارة عن إنتاج مقاطع إباحية مزيفة لمشاهير وبيعها، وبطبيعة الحال يتم هذا الأمر دون معرفة الشخص المعني بأي من هذه الأمور.

وأكد التقرير أن جميع الشخصيات التي تم إظهارها في الفيديوهات المعدلة كانت من النساء، وأن المقاطع الزائفة التي تظهر بها ممثلات هوليوود ومشاهير البوب في كوريا الجنوبية حصدت ملايين المشاهدات على شبكة الإنترنت. كما ذكرت بعض المؤسسات الناشطة في مجال الحقوق الشخصية أن هناك تقارير عن ظهور بعض المقاطع الزائفة لصحافيات وناشطات سياسيات بهدف تلطيخ سمعتهن.

والأسوأ من ذلك، كما يقول «هنري آجدر» الباحث في مؤسسة «ديب تريس» التي عملت على إصدار التقرير، أن هناك الآن بعض المنتديات على شبكة الإنترنت متخصصة في موضوع التزييف العميق، حيث يطلب المستخدمون إنتاج مقاطع تضم النساء اللواتي يعرفونهن مثل الصديقات السابقات وغيرهن، وهو الأمر الذي يشير إلى احتمالية حدوث تغير نوعي في هذا الموضوع خلال الفترة المقبلة.

هذه التقنيات أثارت المخاوف في الكونغرس الأمريكي، حيث كتب نائبان من الحزبين الكبيرين وأعضاء في لجنة الاستخبارات بالمجلس رسالة إلى فيسبوك و10 مواقع أخرى من المواقع الاجتماعية، طلباً للمزيد من التفاصيل عن خطط هذه الشركات لمواجهة التزييف العميق، وحذر العضوان من أن هذه التقنيات يمكن أن تتسبب في «تآكل الديمقراطية».

أما دانييل سترون، أستاذة القانون بجامعة بوسطن الأمريكية، فتحدثت في لجنة الاستخبارات بمجلس النواب الأمريكي عن أدوات التلاعب بالإعلام باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتحدثت عن المقاطع المزيفة التي يتم إنتاجها ونشرها على الإنترنت باعتبارها خطراً وشيكاً، خاصة لو تم استخدامها في الحروب السياسية. وقالت سترون، إن صناعة المواد الإباحية العالمية ساهمت في تطوير تقنيات الإعلام الجديد بشكل أو بآخر، من انتشار أشرطة الفيديو، مروراً بالإعلانات المنبثقة على الشاشة في المواقع، وحتى تطور عمليات البث المباشر للفيديو، وأنه في كل مرحلة من هذه المراحل يستخدم الناس تلك التقنيات لإهانة النساء على وجه الخصوص، وما يحدث مع تقنيات التزييف العميق هو مثال على هذا الأمر.

وساعدت سترون في دعم إصدار قوانين حديثة تتناول الانتقام عبر ترويج الإباحية، حيث ينتقم بعض الأشخاص من النساء اللاتي قطعن معهن العلاقات بنشر صور خاصة لهن على الإنترنت، وهي القوانين التي تسري حالياً في 46 ولاية أمريكية، وتعمل الأستاذة حالياً مع عدد من نواب الكونغرس من أحزاب مختلفة لتشريع قوانين فيدرالية جديدة تعاقب عمليات التزوير والتزييف بشكل عام، بما في ذلك عمليات «التزييف العميق»، وتقول إن هناك اهتماماً كبيراً بإنجاز هذه القوانين.

بدوره، يقلل آجدر عضو اللجنة التي أصدرت التقرير، من المخاوف المتعلقة بتأثير هذه المقاطع الزائفة على انتخابات 2020 الرئاسية في أمريكا، إلا أن التقرير نفسه يقول إن سرعة انتشار هذه التكنولوجيا يمكن أن يشعل عمليات الخداع السياسي، ففي يونيو الماضي انتشر مقطع فيديو في ماليزيا بين رجلين في فراش واحد، ويبدو أن أحدهما كان وزير الشؤون الاقتصادية، الأمر الذي أشعل موجة من الجدل السياسي، وقال رئيس الوزراء إن هذا المقطع مصنوع بتقنية التزييف العميق، ولا يمكن التأكد من مصداقيته. ويقول آجدر، إنه في مثل هذه المواقف، فإن وجود هذه التقنية يوفر إمكانية معقولة لإنكار حدوث الأمور.

تلك التقنيات المتطورة شجعت البعض على محاولة استخدامها لدعم «القضايا الإنسانية» أيضاً، على الرغم من كل الآثار السلبية المحيطة بها، على سبيل المثال، قامت إحدى المؤسسات الخيرية الفرنسية بنشر مقطع فيديو على شبكة الإنترنت يعرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وهو يقول «لقد انتهى مرض الإيدز»، في الحقيقة لم يدلِ ترامب أبداً بهذا التصريح، ولكن المؤسسة التي صنعته بتقنيات التزييف العميق نشرته قبل لقاء «السبعة الكبار» في مسعاها لتأمين الدعم لجهود مكافحة الإيدز والسل والملاريا.