الاحد - 13 يونيو 2021
الاحد - 13 يونيو 2021

سياسة أنابيب الغاز واللعبة التركية الليبية



تصدرت تركيا الأسبوع الماضي عناوين الصحف العالمية عندما أعلنت عن عزمها إرسال جنود لدعم حكومة الوفاق في العاصمة الليبية طرابلس. وبالفعل، بدأ هؤلاء الجنود بالوصول تباعاً ليصبوا المزيد من الزيت فوق النار ويفاقموا من خطورة الأوضاع في هذه الدولة الأفريقية الشمالية.

فلماذا تضحي تركيا بدماء أبنائها وأموالها لدعم حكومة غير مستقرة وتفتقر للدعم الوطني في ليبيا؟


ربما يكمن الجواب في التطور الذي تشهده سياسة التسابق على مدّ أنبوب الغاز الطبيعي في المنطقة.

وفي شهر نوفمبر الماضي، وقعت تركيا وحكومة طرابلس المثيرة للجدل، اتفاقية لم تحظَ باهتمام الصحف بالرغم من أنها قد تساعد على تفسير السبب الذي أدى إلى وجود الجنود الأتراك في طرابلس الآن. ولقد وقع الطرفان اتفاقية لإنشاء منطقة اقتصادية خاصة تربط الشواطئ الجنوبية من تركيا التي تشرف على البحر الأبيض المتوسط بشاطئ ليبيا.

وتنطوي فكرة إنشاء هذه المنطقة الاقتصادية على مشكلة أساسية. فهي تتجاهل تماماً وجود كل من جزيرة «كريت» اليونانية ودولة قبرص لدرجة توحي بأن هذين الكيانين الجغرافيين غير موجودين على الإطلاق. وهذا ما يدفع للتساؤل: لماذا تهتم تركيا بـ«ضم» جزء من اليونان أو تجاهل وجود قبرص؟ يتعلق الجواب بكلمة واحدة هي «الغاز».

وتنطوي الاكتشافات الجديدة لمكامن الغاز الطبيعي في المنطقة الشرقية من البحر الأبيض المتوسط على فرص عظيمة لكل من مصر وتركيا وإسرائيل وقبرص ولبنان واليونان، لتصبح من الدول المهمة في اقتصاديات تصدير الغاز الطبيعي على المستوى العالمي. وخلال العقود الثلاثة المقبلة، سوف يصبح الغاز الطبيعي الوقود الانتقالي المهم الذي سيجعل اقتصاد العالم أقل اعتماداً على الاستهلاك المكثف للكربون. ولا شك أن الدول الأكثر غنى بالغاز الطبيعي ستحظى بفرصة طيبة لركوب هذه الموجة.

وتضافرت الجهود المشتركة في مصر واليونان وقبرص وإسرائيل لتطوير هيكل إقليمي لتنظيم شؤون الطاقة بحيث يساعد على تدفق الغاز الطبيعي بسهولة أكبر إلى أوروبا. وفي بداية شهر يناير الجاري، وقع قادة اليونان وقبرص وإسرائيل اتفاقية لإنشاء ما يسمى «أنبوب شرق المتوسط» EastMed Pipeline الذي يمثل طريقاً يتدفق عبره الغاز الطبيعي من شرق البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا عن طريق قبرص وكريت واليونان. وبتحقيق هذا المشروع، فإن الخط سوف يمر عبر «المنطقة الاقتصادية الخاصة» التي تشكلت بناء على الاتفاقية المعقودة بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية.

وتنشغل تركيا الآن بانتهاك القانون الدولي من خلال شروعها في عمليات الحفر في المنطقة البحرية التي تقع تحت وصاية قبرص من الناحية القانونية ومن دون أن تأبه لاحتجاج أحد. فهل أصبحت تشعر بالإحباط لأنها لم تتمكن من تحقيق اكتشافات مهمة لمكامن الغاز الطبيعي على أراضيها؟ الجواب هو: نعم، إلا أن ذلك ليس هو السبب الذي دفعها للشعور بالفزع من «أنبوب شرق المتوسط»، بل إن السبب الأساسي يكمن في أن تركيا كانت دائماً إحدى أهم قنوات نقل الغاز الروسي إلى أوروبا. وهي تحقق عوائد سنوية ضخمة عن هذه العملية. ولا شك أن الأنبوب الجديد الذي يعبر اليونان سوف يقلل من أهمية الأنابيب التي تعبر تركيا.

وهذا الخط ذو المستقبل الواعد لنقل الغاز الطبيعي أصبح ينطوي بالفعل على أهمية كبيرة في السياسة الأمريكية. وتدعم الولايات المتحدة مشروع «أنبوب شرق المتوسط»، وحرص وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أثناء زيارته لتل أبيب على حضور حفل التوقيع بالأحرف الأولى على اتفاقية إنشائه من طرف الدول المشاركة، وعمد الكونغرس لإقرار تشريع يقضي بدعمه. فما سبب هذا الموقف الأمريكي؟ لطالما كررت واشنطن قلقها من اعتماد أوروبا بشكل كبير على روسيا لتلبية احتياجاتها من الغاز الطبيعي، ولهذا السبب يمكن اعتبار الخط الجديد وسيلة للتخفيف من شدة هذه التبعية.

وهذا يعني أن أردوغان سوف يجد في فلاديمير بوتن حليفاً قوياً. وبالرغم من نقاط الاختلاف القوية التي تفرق بين الرئيسين حول قضايا متعددة أخرى، إلا أن عداءهما المشترك لـ«أنبوب شرق المتوسط» يمكن أن يوحدهما. ومن ثم، فإن من المنتظر أن يتم اختبار عملية التنفيذ الفعلي لهذه البنية التحتية المعقدة عن طريق مفاهيم ومعطيات الجغرافيا السياسية السائدة هذه الأيام.

والآن، إذا رأينا جنوداً أتراكاً في ليبيا، فإن من المهم أن نتذكر أن الغاز وخطوط نقله والأموال المرتبطة به كلها من الأسباب التي تدفع رجب طيب أردوغان لتوطيد وجوده وتقوية نفوذه في هذه الدولة الأفريقية الشمالية.

* زميل باحث في معهد السياسة الخارجية بكلية الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جونز هوبكنز.
#بلا_حدود