الاثنين - 26 أكتوبر 2020
الاثنين - 26 أكتوبر 2020
No Image

تركيا تحاول إنقاذ الليرة المنهارة برفع الفائدة.. وخبراء يؤكدون: ستزداد تأزماً

في خطوة مفاجئة، أعلن البنك المركزي التركي عن قراره بشأن رفع أسعار الفائدة بواقع 200 نقطة أساس إلى مستويات 10.25%، اليوم الخميس، حيث تعتبر هذه المرة الأولى التي يقوم فيها البنك المركزي باتخاذ مثل تلك الخطوة منذ عام 2018، بعد أن تدهورت قيمة الليرة أمام أغلب العملات إلى مستويات متدنية خلال الشهر الماضي. إلا أن خبراء أكدوا لـ«الرؤية»، أن هذه الخطوة ستزيد الاقتصاد التركي تأزماً، وتعمّق من تدهوره على المديين المتوسط والطويل.

وقال الدكتور محمد إبراهيم راشد، بكلية السياسة والاقتصاد بجامعة بني سويف في مصر، لـ«الرؤية»: «إن البنك المركزي التركي كان مجبراً على قرار رفع أسعار الفائدة على الليرة التركية بمقدار 200 نقطة، بعد التدهور الكبير الذي طال الليرة خلال الثلاث سنوات الماضية بمقدار النصف، وبانخفاض قدره أكثر من 22% منذ بداية العام الجاري».

وأوضح أن هذا التدهور كان له انعكاس سلبي كبير على معدلات التضخم والتي وصلت لنحو 12% في الوقت الذي بلغ فيه سعر الفائدة نحو 8% لتوفير التمويل الرخيص، وهو ما يعني أن سعر الفائدة الحقيقي سالب، مشيراً إلى أن ذلك انعكس على خروج رؤوس الأموال، وجعل تركيا دولة طاردة للاستثمار، وهذا الوضع الاقتصادي المتأزم أعاد تركيا 20 عاماً إلى الوراء.

وأضاف أن هذا الرفع في سعر الفائدة ستكون له تداعيات سلبية على زيادة جراح الاقتصاد التركي، وزيادة مستويات الركود الاقتصادي، بسبب ارتفاع تكاليف الإقراض، كما أنه سيزيد من حجم الديون والتي وصلت لمستويات قياسية تقارب 430 مليار دولار.

بدوره، قال رائد الخضر رئيس قسم الأبحاث في Equiti Group، لـ«الرؤية» إن المركزي التركي لم يجد مفراً أمام استمرار تراجع الليرة إلى أدنى مستوياتها غير اتخاذ إجراءات تشديدية قوية، في محاولة للتحكم في قيمتها بقدر الإمكان، مبيناً أن الأسباب الرئيسية وراء تراجع الطلب على الليرة تعود لتصاعد المخاوف إزاء تراجع احتياطي البنك المركزي بوتيرة قوية، واقتراب نفاده، واستمرار ارتفاع طلب الأتراك على العملات الأجنبية بدلاً من العملة المحلية، حيث إن التوسع في الائتمان للأسر والشركات لمعدلات قياسية تسبب في زيادة الإنفاق وبالتالي الاستيراد.

وأكد أن الاقتصاد التركي يواصل بذلك مسلسل التدهور المستمر بالتزامن مع استمرار التوترات السياسية بين تركيا والدول الخارجية. فاقتصاد البلاد يعتمد في المقام الأول على السياحة، وقطاع الخدمات، والصناعات المتوسطة، ما يجعله أكثر عرضة للتغيرات والتطورات الخارجية وسياسات الدولة مع الدول المحيطة بها.

ومنذ تولي أردوغان رئاسة الدولة، تدخل مباشرة في سياسات البنك المركزي التركي، وسعى دائماً إلى خفض قيمة العملة، واتخاذ سياسات من شأنها إضعاف قيمتها، في محاولة لتحفيز الاقتصاد، الأمر الذي انعكس سلباً في النهاية، ليشهد الاقتصاد في 2019 أول ركود له منذ 10 أعوام، كما تخطت معدلات التضخم نسبة 20%، في حين فقدت الليرة نحو 22% من قيمتها أمام الدولار الأمريكي، مع هروب رؤوس الأموال الأجنبية إلى الخارج، لتعتبر واحدة من أسوأ عملات الأسواق الناشئة أداءً في العالم.

وأشارت وكالة موديز، في تقرير سابق، إلى أن احتياطات تركيا من العملة الأجنبية أصبحت عند أدنى مستوى لها منذ 20 عاماً. فيما استمرت معدلات التضخم في الارتفاع لتصل في أغسطس إلى نسبة 11.77%.

ولفت رائد الخضر إلى أن معدل الفائدة الحقيقي، وهو الفرق بين معدلات الفائدة الأسمى مطروحاً من التضخم، يبقى في الجانب السالب، أي أن الودائع والسندات المصرفية تفقد قيمتها بمرور الوقت، ما يؤدي إلى استمرار خروج المستثمرين من السوق، وارتفاع حالة العزوف عن المخاطرة.

وأوضح أنه عند رفع البنك المركزي التركي الفائدة، سيساهم هذا بشكل مؤقت في تقليص التباين بين الفائدة والتضخم ولكن على المدى المتوسط. فرفع أسعار الفائدة سيعرقل وتيرة تعافي الاستثمارات وتراجع عمليات التمويل الفترة المقبلة، وهو ما يؤول في النهاية إلى ركود تضخمي.

وأكد أن ارتفاع أسعار الفائدة سيتسبب في تحمل الحكومة التركية أعباءً تمويلية ضخمة وارتفاع مستويات الديون، مشدداً على أنه أمر لن تتحمله الحكومة في الوقت الراهن، خاصة مع استمرار التوترات الجيوسياسية، مشيراً إلى أن الأسهم قد تعاني من ضغوطات قوية مع هروب رؤوس الأموال إلى الخارج، وتوجه المستثمرين إلى الودائع ذات العائد المرتفع بدلاً من المخاطرة في أسواق الأسهم.

يقول المدير التنفيذي لشركة VI Markets بمصر، أحمد معطي، لـ«الرؤية»: «إن قرار المركزي اليوم جاء متأخراً لإنقاذ الاقتصاد الذي شارف على الانهيار وفقاً لتقارير مؤسسات عالمية».

وأشار إلى أن القرار جاء بعد السقوط الحر للعملة التركية، والذي يعود لعدة أسباب اقتصادية وسياسية. موضحاً أن الأمور السياسية أبرزها تدخله السابق في ليبيا والخلاف السياسي مع اليونان.

وقال إن تدخل الرئيس التركي في السياسية النقدية بالبلاد سبب من أسباب توقف نمو الاقتصاد، وهو ما دفع قطاع السياحة، المورد الأساسي له، إلى الانهيار، والذي استمر انهياره خلال أزمة كورونا والتي أثرت بشكل متفاقم عليه.

ويرى أن تركيا ستشهد أزمة مالية قوية بعد هذا القرار، ولن يكون إنقاذاً لعملتها التي ستشهد مزيداً من السقوط الحر وسط ارتفاع مستويات الإقراض، وظهور مشاكل باستيراد البضائع.

وقال محلل اقتصادي أول لدى شركة أوربكس لـ«الرؤية»، عاصم منصور: «إن الهدف من رفع الفائدة اليوم كبح معدلات التضخم التي بلغت نحو 11.7% على أساس سنوي خلال يوليو الماضي، مقارنة بـ8.5% خلال أكتوبر 2019، وذلك مع تراجع قيمة الليرة التركية بنحو 29% منذ بداية العام الجاري، مشيراً إلى أن ذلك مع وضع المركزي التركي معدلات التضخم عند 5%».

وبيّن أن القرار يعني أن معدلات الفائدة الحقيقية سلبية في تركيا، ما يعني هروب رؤوس أموال من الأسواق، والاتجاه إلى أسواق أخرى، إضافة إلى شراء عملات أخرى مثل الدولار واليورو بدلاً من الليرة التركية.

وأشار إلى أن تداول الليرة التركية أمام الدولار يجرى قرابة المستوى 7.63 ليرة لكل دولار، ولكن لا تزال التوقعات السلبية قائمة مع تزايد احتمالات الوصول إلى مستوى 8 ليرات لكل دولار حتى وإن تم رفع الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس إضافية.

وبدوره، أكد نائب رئيس الاستثمار لدى «إن أي كابيتال»، محمد الشربيني، لـ«الرؤية»: الاقتصاد التركي يمر حالياً بأسوأ مرحلة خلال العشر سنوات الماضية.

وأشار إلى أن تركيا شهدت انخفاضاً كبيراً في الاستثمارات الأجنبية المباشرة في السنوات الأخيرة، حيث تقترب من أدنى مستوياتها.

#بلا_حدود