الجمعة - 27 مايو 2022
الجمعة - 27 مايو 2022

التلفزيون الذكى.. جاسوس داخل المنزل

انضمت إلى الطابور الطويل لمشكلات الخصوصية وتسرب البيانات التي يعانيها المستخدم عبر التطبيقات وأجهزة الموبايل وأنظمة تشغيل الكمبيوتر، مؤخراً، أجهزة التلفزيون الذكي، التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى الوسيلة الأساسية للمشاهدة التلفزيونية على المستوى العالمي.

التحذير حول أمن هذه الأجهزة جاء من المباحث الفيدرالية الأمريكية FBI التي أصدرت مؤخراً تعميماً حول مخاوف التجسس على المستخدمين من خلال تلك الأجهزة.

ومثل أي جهاز يتصل بالإنترنت، فإنه في الوقت نفسه يفتح المجال للثغرات الأمنية والمتسللين والمقتحمين وغيرهم. ليس ذلك الأمر فقط، ولكن معظم أجهزة التلفزيون الحديثة تأتي ومعها كاميرا وميكروفون مدمجين، والأسوأ من ذلك كله أن الشركات المصنعة لا تضع معايير الأمان الصارمة كأولوية لها، الأمر الذي يجعل غالبية هذه الأجهزة معرضة لكل أنواع الاختراقات.


تلك هي النقاط الأساسية التي استند إليها بيان مكتب المباحث الفيدرالية الأمريكي FBI في بورتلاند الذي نشر تحذيراً عبر موقعه الإلكتروني موجهاً للمواطنين بشأن المخاطر التي تشكلها التلفزيونات الذكية، حتى يأخذ الجميع الاحتياطات المطلوبة، وقال البيان: إضافة إلى المخاطرة بأن مصنعي التلفزيون أو مطوري التطبيقات المستخدمة يمكن أن يستمعوا إلى ما تقوله ويشاهدوك أيضاً، يمكن لهذا التلفزيون أن يكون بوابة لـ«هاكرز» للوصول إلى داخل منزلك، وبينما يصعب على المتسلل أن يقوم باقتحام جهاز الكمبيوتر الخاص بك والذي أحكمت تأمينه، فإن الأمر لا يكون بنفس الصعوبة للاقتحام عبر بوابة جهاز التلفزيون غير الآمن.


وحذر مكتب التحقيقات الفيدرالي من أن المتسللين والمقتحمين يمكنهم التحكم في جهاز التلفزيون الذكي غير المؤمن، وفي بعض أسوأ الحالات يمكنهم التحكم في الكاميرا والميكروفون للمشاهدة والاستماع إلى ما يدور في المنزل. قضية خصوصية تلك الأجهزة قديمة، فمع بداية انتشار ظاهرة التلفزيون الذكي، أوضح خبير تقني من كوريا الجنوبية في عام 2013 وبشكل عملي أنه لا يوجد تقريباً أي اعتبار للأمن في أنظمة التلفزيون الذكي، حيث عرض أكثر من 10 ثغرات مختلفة في الأنظمة المختلفة تمكن المخترقين من السيطرة الكاملة على جهاز التلفزيون، ورغم مرور السنوات إلا أن الوضع لم يتغير كثيراً.

وعلى الرغم من أن الهجمات الإلكترونية النشطة الموجهة ضد أجهزة التلفزيون الذكية مسألة شديدة الندرة، إلا أن بعض الحالات تم رصدها بالفعل، ونظراً لأن كل جهاز تلفزيون ذكي يأتي محملاً ببرمجياته الخاصة التي وضعتها شركة التصنيع، كما أنه يكون تحت رحمة عمليات التحديث التي تطلقها الشركة المصنعة والتي تكون غير منتظمة في غالبية الأحيان، فإن هذا الأمر يعني أن بعض الأجهزة تكون أكثر عرضة للاختراق من غيرها، وفي وقت سابق من هذا العام، أظهر المخترقون بطريقة عملية أن من الممكن السيطرة على جهاز «كرومكاست» الذي تنتجه غوغل للبث التلفزيوني والقيام ببث مقاطع فيديو عشوائية لآلاف الضحايا.

والمثير في هذا الموضوع، أن أكبر وأخطر أدوات الاختراق التقنية لأجهزة الموبايل الذكية تم تطويرها واستخدامها على يد عناصر المخابرات المركزية الأمريكية CIA وأيضاً على يد المخابرات البريطانية MI5، ولم ينكشف هذا الأمر إلا بعد تسريب التطبيقات والملفات من أجهزة الاستخبارات ونشرها على شبكة الإنترنت على يد منظمة «ويكيليكس»، لتتحول القضية إلى مصدر إحراج كبير لأجهزة الأمن، ويكفي أن نذكر هنا أن أحد التطبيقات التي تم نشرها كان يستهدف أجهزة تلفزيون «سامسونغ» ليحولها إلى أجهزة استماع ومراقبة عن بعد!.

ومع ذلك، وبقدر ما يستجيب تحذير مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى مخاوف حقيقية تتعلق بأمن هذه الأجهزة، إلا أنه يمكن القول إن القلق الحقيقي من هذه الأجهزة يتعلق بمقدار بيانات التتبع التي يتم جمعها حول مالكي الأجهزة.

على سبيل المثال، كشفت صحيفة واشنطن بوست منذ عدة أشهر أن بعض أشهر مصنعي أجهزة التلفزيون الذكية، بما في ذلك «سامسونغ» و«إل جي» وغيرهما، يقومون بجمع الكثير من المعلومات حول ما يشاهده المستخدمون، وذلك بهدف مساعدة المعلنين على استهداف الجمهور بطريقة أفضل، وأيضاً حول اقتراح ما يجب مشاهدته بعد ذلك.

في شركة «سامسونغ» كشفت تقارير صحافية العام الماضي أن بعض موديلات أجهزتها الحديثة يمكنها العمل عبر خاصية الأوامر الصوتية، الأمر الذي يوفر المزيد من آليات التحكم للمستخدم، ولكن ما لم تذكره الإعلانات أن الكلمات التي ينطقها المستخدم، بما في ذلك أي معلومات خاصة أو حساسة ستكون ضمن البيانات التي يتم جمعها وإرسالها إلى طرف ثالث، أضف إلى ذلك أن هذه البيانات لا يتم تشفيرها من الأساس.

عمليات تتبع أنماط وأساليب المشاهدة لدى المستخدم تحولت إلى مشكلة كبرى خلال السنوات الأخيرة، مثلاً، أجهزة تليفزيون «فيزو» التي تعتبر من الناحية التقنية من أفضل الأجهزة وأكثرها تطوراً، كانت تقوم بتتبع عادات المستخدم في المشاهدة وذلك في الوضع الافتراضي العام، وهذه الخاصية تقوم بتسجيل ما يراه المستخدم سواء كان عبر القنوات المفتوحة أو القنوات التي تبث عبر الإنترنت، ويقوم برنامج التتبع بتسجيل الوقت والتاريخ وقناة البث وما إذا كان المشاهد يتابع هذا البرنامج على الهواء أو مسجلاً. ويقوم تطبيق فيزو بربط هذه المعلومات بعنوان الإنترنت الخاص بالمستهلك وإرساله إلى الشركة. المشكلة في هذا الأمر أن قاعدة البيانات الهائلة التي تتكون يمكن من خلال تحليلها الكشف عن المزيد من المعلومات الخاصة بشخصية المستهلك.

الكشف عن جمع «فيزو» المعلومات بطريقة سرية، أدى في النهاية إلى وصول القضية إلى المحاكم التي قضت بدفع الشركة غرامة قدرها 2.2 مليون دولار، ولكن هذا الأمر على ما يبدو لم يوقف الشركة التي تواجه دعوى قضائية أخرى حول الاستمرار في تتبع بيانات العملاء.

المشكلة الأكبر كما يقول الخبراء ليس فقط في أن شركات تصنيع الأجهزة والتطبيقات لا ترغب في حماية خصوصية مستخدميها، ولكن في أن غالبية هذه الشركات تفتقد الموارد اللازمة لحماية تلك البيانات على اعتبار أنها لا تعمل بالأساس في مجال تكنولوجيا المعلومات والبيانات، ولا تمتلك الكثير من الخبراء في مجال الأمن والشبكات.

وفى تحذيرها للمواطنين، اقترحت المباحث الفيدرالية الأمريكية أن يضع المستخدم شريطاً لاصقاً على الكاميرا في التليفزيون، والقيام بتحديث دائم ومستمر للأنظمة والبرمجيات.

ورغم أهمية هذه الاقتراحات، إلا أنه يمكن القول إن أكثر أجهزة التلفزيون أمناً هو الجهاز الذي لا يتصل بشبكة الإنترنت على الإطلاق!