الخميس - 29 يوليو 2021
الخميس - 29 يوليو 2021
صالحة عبيد

صالحة عبيد

صورتنا الرقمية

هل جال ببالك مرة أن جميع من حولك، يقابلونك بصورتين، صورة واقعية وأخرى رقمية؟ وعندما نتحدث عن الرقمية نحن لا نشير هنا إلى تلك التي التُقطعت من خلال أجهزة رقمية فحسب، بل تلك التي تمتلك فعلياً مواصفات مغايرة لصورة الشخص على أرض الواقع، نظرة مختلفة لعينين أكثر اتساعاً، شفاه أكبر أو أصغر، تجاعيد أقل، وهكذا.

لطالما جرى اعتبار أن الملامح لديها الكثير لتقوله، إن حجم العينين يشي بالشخصية تماماً كما هو شكل الأنف أحياناً والشفاه، ولطالما حاول علم الفراسة المقابلة بين شكل الإنسان الخارجي وعوالمه الداخلية، باعتبار أن الخارج هو مرآة للداخل، لكن مع سيطرة العوالم الافتراضية على كافة تعاملاتنا اليومية، تكاد تشعر بأن هناك شخصيتين تتعامل معهما، الشخصية التي يحاول الشخص عكسها من خلال تغييره لملامحه رقمياً من خلال البرامج الحديثة التي تمكنه من ذلك بسهولة، والشخصية التي تراها يومياً دون رتوش، والتي قد تجعلك تتساءل، ما الذي لديه الماثل أمامك ليخفيه عن دواخله؟ حيث إن رغبة الكمال الافتراضية تلك تجعلك تشعر بأنه ينشد هرباً من وصول الآخر إليه، في زمن الاتصال والوصول السريعين والتواصل المتوجس المرتاب، الذي يزرع الحواجز بين الآخرين باستمرار ولو كان على هيئة صورة لا تشبه صاحبها.

في عام 2007 أطلت أيقونة أغاني البوب في التسعينات الميلادية «بريتني سبيرز»، لتقوم بحلاقة شعرها الأشقر كاملاً على مرأى العالم في فيديو لا يتجاوز خمس دقائق، كان الأمر في وقتها صادماً للعالم الذي اعتاد صورة رقمية مبهرجة «لسبيرز» صورة تكشف الشابة الواثقة المتحدية الفائرة بالحياة والمرحة دائماً.

الآن، وأنا أتأمل تصرفها بعد سنوات، أكاد أراها وقد تعمدت اغتيال صورتها الرقمية، لتجعل العالم يرى فعلياً السيدة المحبطة التي لم تعد تلك الفتاة المراهقة، السيدة التي يحق لها أن تُرى في وضعها الحقيقي وهي تختبر كل ما قد تختبره سيدات الألفية من ارتباكات وخسارات وإحباطات تحتاج وقتاً معه لتعيد استجماع ذاتها بعدها بدلاً من تصنع صورة واهية حول المظهر الكامل الذي يشي خادعاً بقوة لا تقهر داخلياً.

أظن أن موقف «سبيرز» الراديكالي في حينها يكشف عن الأبعاد الأشد خطورة للفوارق التي تزيد الهوة بين شكلنا الواقعي والآخر المفترض، وكيف أنه كلما ابتعدنا عن إدراك ذواتنا من قشرتها الخارجية أولاً عنى ذلك انهياراً ما قد يحدث في أي لحظة لاحقاً، تكون بعده العودة أمراً قد يتطلب قراراً متطرفاً كقرار «سبيرز».

[email protected]
#بلا_حدود