الاثنين - 26 يوليو 2021
الاثنين - 26 يوليو 2021
No Image Info

«عاش هنا»

في المدرسة ذات ميعاد بعيد جداً، تلاشت معظم القصص التي كنت أحفظها، لم أعد أتذكر الآن حتى أسماء زميلاتي في الثانوية العامة، كما وأنني لا أتذكر حتى ملامحهن، على الرغم من أن عددنا في المدرسة حينذاك كان محدوداً.

الأهم من تلك الملامح كانت الرحلة السنوية التي تأخذنا المدرسة إليها، رحلة تتكرر في كل عام، كان الباص الأصفر ينتظرنا عند باب المدرسة، تسبقنا المعلمات اللواتي يجهلن معنى الابتسامة، ولا أفهم سر التكشيرة الدائمة على وجوههن. يأخذنا الباص لزيارة معرض الزيت، وكنا ننبهر بالمكان، وبطريقة استخراج الزيت، وأتذكر كم وقفنا طويلاً أمام بئر الخير (1) الواقعة شرق المملكة العربية السعودية في الدمام تحديداً، وهي البئر التي تفجر منها الزيت للمرة الأولى، وصفّق الجميع لنجاحهم، وتهللت أساريرهم، ولم يكن مفروضاً علينا التقاط الصور، لكن الصورة بقيت في الذاكرة لم تنته، وبقيت الرحلة الموسمية لمعرض الزيت ذكرى مدهشة في تاريخ طفولتنا ومراهقتنا.

وفي مصر البترول قليل، لكن الفنون كثيرة ومتعددة ومدهشة، وكان لا بد أن يقوم المسؤولون على تولي مهام ترسيخ الذاكرة الفنية لدى أفراد الشعب، كما حدث مع بئر الخير (1) في الدمام، فقامت مبادرة دشنها الجهاز القومي للتنسيق الحضاري أخيراً في مصر، جاءت تحت عنوان «عاش هنا»، حيث قاموا بكتابة أسماء مشاهير الفن والأدب والشخصيات العامة على لوحات في مداخل البنايات التي عاشوا بها.

وتهدف هذه المبادرة نحو توثيق المباني والأماكن التي عاش بها مشاهير الحياة المصرية من الفنانين والكتاب والأدباء والشخصيات العامة، الذين أسهموا في إثراء الحركة الثقافية والفنية من خلال لافتات توضع على المنازل التي عاشوا بها، لتخليد ذكراهم وتعريف الأجيال الجديدة بدورهم، وإتاحة المعلومات للسائحين والوافدين إلى مصر.

نحن دائماً بحاجة إلى ذاكرة ملهمة، أشعر بأننا سنصل في يوم من الأيام إلى أن تكون حياتنا الماضية عبارة عن مجرد تغريدات في «تويتر»، أو صور منتقاة على صفحة «إنستغرام»، الصور العفوية الضاحكة اللافتة ستنتفي من تاريخنا، لأننا قبل أن تلتقط الصور لنا نلتزم بالتأكد أن كل شيء على ما يرام.

أنا أخاف على ذاكرتنا جداً، أخاف على تاريخنا المملوء بالشقاء والكثير من الحب، عن أشيائنا التي لم تعد حميمة لبعد المسافة. لذا، فقد فرحت على سبيل المثال باهتمام المصريين ببنايات القاهرة الخديوية، وتاريخها وعمارتها المتميزة، لأنه يجب أن يكون لدينا تاريخ حقيقي للبشر وحتى للبنايات والشوارع، لأنها كانت شاهداً على كل ما حدث.

[email protected]
#بلا_حدود