الاحد - 25 فبراير 2024
الاحد - 25 فبراير 2024

نهاية اللعبة

نهاية اللعبة
في عمله المسرحي الذي أعقب «في انتظار جودو» والذي حمل عنوان «نهاية اللعبة» ينتقل بنا الأيرلندي «صاموئيل بيكيت» إلى عالم مسرحي مغاير عن ذلك الأول هو هنا في هذه الرحلة الجديدة يلغي حالة الانتظار ويثبت أركان شخوصه المسرحية على الخشبة ممارساً معنا لعبة الدائرة، الدائرة التي قد لا تنتهي، إلا بشرط وحيد .. هو انفراطها عن رتم التكرار الذي تدور فيه.

كلٌ يحمل عطبه معه، وينتظر أن يؤذن له بالخروج من دائرة اللعبة، هكذا يبدو الأمر بانورامياً، ونحن ننتقل بين الشخوص المسرحية الأربعة «هام» و«كلوف» و«نيل» و«ناج»، في عالم عبثي تنتقل أفكاره بين تلك الشخوص التي تحمل خللها معها وتقوم في حاله من اليأس الدائم بمحاولة نبش هذا العطب وأسبابه بتكرار الحديث عنه، في رغبة قد تمثل الخلاص اليائس عن طريق الكلمات، الشخوص تلقي بكلماتها، تثقل صوتها الذي يسير في رتم رتيب في البداية يتصاعد شيئاً فشيئاً .. لتجعلك تتلقف كمتابع اليأس والخوف والقلق والارتياب وغيرها، تدخلك معها دائرتها العبثية معتقداً معهم أنه هناك نهاية حتمية قادمة، لكن وتيرة التصاعد تبدأ بالانخفاض شيئاً فشيئاً دون أن تصلوا جميعاً إلى تلك النهاية المنشودة.

«جودو» كان يبحث عن الجدوى من الحياة مختزلاً إياها في لحظة قد تحدث، لحظة تحمل ذلك المعنى المنشود، بينما شخوص «نهاية اللعبة» تبدو كمن أدرك عبثية اختزال الحياة في لحظة كبرى، وأخذ يفتش عن المعنى من خلف التكرار في لحظة النهاية المنشودة في الموت، لعل المعنى مختزلٌ أخيراً في لحظة العدم بدلاً من تلك اللحظة التي تحدث فيها الحياة، لكن هل الأمر هو بمثل تلك البساطة فعلاً، في فك التباس الأمر بنقيضه؟ لا إجابة حقيقية مؤكدة عن ذلك، والحقيقة هي وجهات نظر تحملها كل شخصية من شخصيات «اللعبة» في داخلها بحسب تراكمات التجارب التي مرت بها.


ينتصر «صاموئيل بيكيت» للعبث دائماً من خلال نصوصه المسرحية، للجدوى التي يقدمها عن طريق السخرية من كل معنى نهائي وثابت يحاول أي منا الوصول إليه ظاناً من خلاله أنه سيصل بذلك إلى قمة المعرفة الثابتة، التي لا وجود حقيقياً ونهائياً لها ما دامت لعبة الدائرة والتغيير فيها مستمرة بشكل دائم. فكل ثابت هو متحول ضمنياً، وكل متحول هو نحتٌ مستمر في شخوصنا الحية، التي قد يكون انتصارها الحقيقي اليومي، هو استمرارية ملاحظتها لكل تلك التحولات وطرح الأسئلة حولها.


[email protected]