السبت - 31 يوليو 2021
السبت - 31 يوليو 2021
No Image Info

عداوات وهمية

تميل المجتمعات المتحفظة إلى إطلاق الأحكام بدلاً من الخوض في حوار صريح يناقش جذر المشكلة إن وجدت ولكي يبحث لاحقاً في الحلول الممكنة التي قد تؤدي إلى تلاش تدريجي للمشكلة المراد حلها، وفي الوقت الذي لا تحدث فيه هذه الأمور على الأرض غالباً فإنها تنتقل بكامل فوضاها وعبثيتها إلى الساحات الافتراضية من ناحية إطلاق الأحكام وتصديقها وبناء المتاريس والقلاع التي يقف فيها طرف ضد الآخر في عداوة ضمنية غير معلنة تراكم ما تراكمه تحتها من ضغائن.

قد يميل البعض هنا للنظر إلى تلك العوالم الافتراضية باعتبارها مساحات أكثر تحرراً والأفراد في مجملهم يميلون هناك لأن يكونوا أبعد ما يكون عن إطلاق الأحكام بدون نقاش حيوي، لكن السؤال هنا يبقى قائماً حول مدى حقيقة هذا الافتراض لو أن أولئك الأكثر تحرراً بأسمائهم وصورهم المستعارة قد حاولوا التعبير ذاته بأسمائهم وصورهم الحقيقية، هل كان ليبقى التعبير هو ذاته والمواضيع في نقاشها أبعد عن تلك الصراعات الأرضية النابعة عن الأحكام المطلقة التي ينقصها الحوار الصريح؟ في حقيقة الأمر لا أعتقد أن المحصلة ستختلف كثيراً لأن المجتمع المتحفظ على الأرض لن تكون تلك المواقع بمثابة العصا السحرية التي ستغير من حال إلى حال وإن ساهمت في بداية ظهورها في استحداث بعض التغيرات أو إثارة بعض الجدل.

ما السبيل إذاً؟ كيف نخرج من تلك الدوامات الوهمية من مع وضد؟ قد يكون الحل كامناً في استحداث تغيير جذري لفكرة الحوار في التعامل مع الأفكار باعتبارها جزءاً حيوياً من الحياة اليومية لا أثيرياً يجب أن يبقى في مساحة العقل الساكنة بدون أن يعرفها الآخر ليتفاعل معها سلباً أو إيجاباً أو حتى لمجرد أن يتوقف عن إطلاق الأحكام الاعتباطية، الأمر الذي يجب أن يبدأ أول ما يبدأ مع لبنات المجتمع الصغير، الأطفال وهم يراقبون العالم في منازلهم ومن ثم في المدارس، من هناك يحب أن يتم النظر إلى التحفظ باعتباره الشاذ عن قاعدة الانفتاح الحقيقي على الآخر، وليكون فعلاً ترديد عبارة من مثل الاختلاف لا يفسد للود قضية نابعاً عن تجارب حقيقية مر بها الفرد منذ صغره وبعد جدل ونقاش حقيقي أهّله لتقبل الفكرة. وسيؤدي أن تتقبل مجتمعات بأكملها اختلافات المجتمعات الأخرى لتبتعد عن الصغائر والانطباعات المغلوطة التي تتضخم لتصبح إشكاليات تعوق البناء الفعلي لفكرة الحضارة الفكرية والإنسانية.

[email protected]
#بلا_حدود