الخميس - 29 يوليو 2021
الخميس - 29 يوليو 2021
No Image Info

أنت لست أنت البارحة

أنت لم تكن قبل ذلك هذا الشخص الذي يقرأ الآن هذا المقال، وأنا لم أكن يوماً ذات المتكلم، البائع في البقالة المجاورة، وكذلك مُوَزِّع عبوات ماء الشرب، ولا ذاك موظف البنك، ولا أحد، فكل يومٍ نعيشه، يحمل معه الجديد من التجارب والخبرات، ومع كل خبرة نكتسبها نتغير، فتتشكل لدينا قناعات جديدة.

قبل ثلاثة أعوام، وضعت الجدة فرخاً من الورق المقوى كبير الحجم، تحلق الأحفاد الخمسة حوله، وأخذ كلٌ منهم يرسم في الجزء الخاص به حلمه، رسم أحدهم قصراً سيكون له، ورسم الآخر جامعة بكليات وتخصصات سوف يُنشِئها، ورسم الثالث مجمع طبي فيه تخصصات عديدة وسماه مجمعه، أما الرابع فرسم مدينة بأكملها فيها المنازل الجميلة والأشجار الفارعة، وقرر أن تكون نموذجية، وأخيهم الصغير رسم خربشات كيفما اتفق.

بالأمس فتحوا فرخ الورق المقوى الذي يحمل أحلامهم، وأخذوا يضحكون بشكل هستيري، خاصة أصغرهم، والضحك كان نابعاً من شعورٍ بأنهم أصبحوا أكثر نضوجاً، فاستخفوا برسوماتهم وبأحلامهم التي لم يروها تُعِّبُر عنهم في عمرهم الراهن، فقد مروا بمواقف وظروف وتجارب لا حصر لها خلال السنوات الثلاث، واختلفوا كثيراً عما كانوه.

فهل ينكر أحدنا بأنه في تغير وتبدل دائم، ربما كانت هناك رواسي وثوابت، لكن النظر للأمور أخذ زوايا رؤية مغايرة، واستنتاج الدلالات للإشارات، اختلف تماما عن ذي قبل، فما جدوى التجارب، إن لم ينتج عنها خبرات، وما جدوى الخبرات، إن لم تشكل النضوج وتطوير الذات

والأكثر قدرة على التكيف في عصرنا؛ هو الأجدر بالعيش، والواقفون مكانهم يمثلون التيبس وكلاسيكية التفكير، فالمرء لا يعيبه أن يتغير ويتبل كل يوم، شرط الإبقاء على الثوات «الأخلاقية» تحديدا، بخطوطها العريضة، أما قوالبها، فهي قابلة للتطوير.

[email protected]
#بلا_حدود