الأربعاء - 29 يناير 2020
الأربعاء - 29 يناير 2020
سارة مطر
سارة مطر

في وداع القاهرة

سارة مطر
كاتبة وروائية سعودية، متخصصة في علم الاجتماع، لها مؤلفات أغلبها حاز على وسم "الأكثر مبيعاً" في سوق الكتب الخليجي، سيناريست تكتب في عدد كبير من الصحف المحلية إلى جانب صحف عربية وخليجية.
هي الذكرى، فقط، الذكرى التي سأحملها معي إلى وطني، ربما جدران الفندق، طريق مقهى زينب خاتون، الهواء البارد الذي كان يعصف بقوة في فراغ الغرفة القديمة، كنت أتساءل وأنا في الإسكندرية التي أزورها لأول مرة في حياتي، ترى كم عدد الزائرين الذين أقاموا في هذه الغرفة تحديداً؟ ظللت أحاول العد على أصابع يدي العشرة، وحينما انتهيت، بدأت العد على أصابع قدمي العشرة أيضاً، ألم نفكر ولو للحظة لماذا خلقنا بعشرة أصابع؟ لماذا لم تكن تسعة أو 12، التساؤلات هذه تعيدني حتماً إلى طفولتي، لماذا السماء مرتفعة هكذا؟ أعرف أن لدي تفكيراً طفولياً ما زلت أحمله معي، سواء في الحقيبة التي لا يتجاوز سعرها مئات الدراهم، أو حقيبة غوتشي التي حينما قررت شراءها، أعطيت الموظفة البطاقة وأغمضت عيني، وأخذت نفساً عميقاً، لم أكن أريد أن أشعر أن تعب العمل المضني جداً يذهب لحقيبة فقط لثقل اسمها.

تفكيري الطفولي جاء من القرية التي كانت أسرتي تجبرنا على زيارتها في مختلف المناسبات، في القرية كانت مساحة بيت الجد واسعة جداً، لهذا تفرش الأمهات سطح المنزل لكي ننام، ولكني لم أكن أملك القدرة على النوم كبقية شقيقاتي وبنات العم، كنت أتطلع طويلاً إلى القمر، وأتمنى أن جميع أهالي القرية يستطيعون أن يجلبوا السلالم الخشبية المرصوصة في بيوتهم، ويضعونها واحدة تلو الأخرى، لكي نصعد معاً لنمسك بالقمر، هذا الحلم لا يزال يراودني حتى الآن، في الإسكندرية رغم المطر والهواء الذي يدب في الجسد بلا هوادة، كنت للحظة اشتاق لفكرة الوصول إلى القمر!

الإسكندرية


الفندق قديم ولكنه ليس متهالكاً، قررت ألا أعود إليه مرة أخرى، الأكثر ألماً أنني نمت بعمق لم أذقه منذ سنوات، لنقل منذ أربعة أعوام، وحينما استيقظت وجدتني وحيدة جداً .. جداً، كانت الستائر تتطاير، الغرفة باردة، التلفزيون قديم، باب الغرفة يذكرني ببعض البيوت التي كنت أزورها مع والدتي وأنا صغيرة، وحينما وضعت قلبي على صدري، لم أجده في مكانه، صرخت بأعلى صوتي، قلبي .. من سرقه، كيف أعود إلى وطني من دونه، كيف سيصدق الجميع أنني سرقت، كانت الصحيفة قد وضعت تحت باب الغرفة، سحبتها من أسفل الباب، ووجدت عنواناً عريضاً، كتب بالبنط العريض «السارقون».

تذكرت حينها أن السارقين في حياتنا ليسوا مدمني جمع النقود والعمائر السكنية وسبائك الذهب، إنما هناك من يسرق أرواحنا وقلوبنا.

s.matar@alroeya.com
#بلا_حدود