السبت - 15 يونيو 2024
السبت - 15 يونيو 2024

وللحب فصول ..

تُرعبني قصص الحب الشاهقة ذات التضحيات الباهظة، فغالباً ما تكون نهاياتها سريعة وغير متوقعة، وتصبح مؤسفة، حينما تنتهي بفراق غير حضاري، وكأن أبطالها أنفقوا كل مؤونة الحب في ليلة واحدة ولم يُوفروا شيئاً لفصل قد يشح فيه الحصاد، وكأنهم لم يعلموا أن للحب فصولاً!

تنتهي، وكأنها مشهد رومانسي قصير في فيلم درامي طويل، أكتب بلوعة وحزن الشاهد على العديد منها، استذكر معها دموعهم ودموع فرحي وحماستي تجاهها، حتى قطف أول بواكيرها، من أول خفقة إلى أول قربان لنجاتها، بقيت أخفي توجسي الذي طاول فرحي بها، ولكني باركت، ودعوت لأن تبقى تلك القلوب الضاجة بفرحة ولذة العشق ونشوة الارتباط أن تبقى متوهجة ومتماسكة العقد أمام منعطفات الحياة.

في رواية ماركيز الرائعة «الحب في زمن الكوليرا»، وقصة حب فلورينتينو أريثا وفيرمينا داثا، كان للحب حكايته، قراره في زمن تناوشته الإقطاعية والأوبئة الخطرة، قصة حب لم تخبُ جذوتها، على الأقل، في عقل وقلب العاشق فلورينتينو، ويقينه بحبه، الذي اجتهد وكافح، وعبر مهن كثيرة، منها كتابة رسائل الحب لعشاق لا يجيدون الكتابة على نحو يرتقي لوصف مشاعرهم لمحبوبيهم، كافح في أتون أوضاع سياسية وصحية واقتصادية متردية مربكة، إلاّ أنه وبعد 50 عاماً من الانتظار على عتبات حلم اللقاء، حظي بما يريد، لأنه كان يحيا بها ولها وعلى أمل الظفر بها تحت ظل شمس باردة ذات يوم.


ماركيز المدهش، الذي استطاع وبمهارة فنية عبر روايته الصاخبة بأحداثها وتنوع شخوصها وتفاوت مواقعها في الحياة، شخصيات رئيسة متنفذة، وشخصيات سرية، وشخصيات تعيش على هوامشها، استطاع أن يبرز قصة حب غير عادية، مع أنها قد تبدو للقارئ مغرقة بالكلاسيكية، الشاهد هنا، أن قوة الحب وحقيقته لا تظهر إلاّ في ظروف استثنائية، كأن تعشق ويحيط بك وباءٌ شرس مثل الكوليرا، حرب لوباء أعمى لا يفرّق بين مقامر سكيّر، أو لص يقتات على مصائر وقوت الضعفاء، وبين عاشق قضى أكثر من 50 عاماً يرتقب اللحظة التي يكون فيها إلى جانب حبيبته، التي أجبرها أهلها بالزواج من طبيب ثري، عاشت طيلة سنوات حياتها معه تهادن مشاعر غريبة تجاهه من اللاحب واللاكراهية، إلى أن مات ميتة هزيلة في حديقة منزلهما، ليلتقي بعدها العاشقان.


اليوم، وأنا أشهد طيّ آخر فصول أجمل قصة حب راهنت عليها في حياتي، لتضحيات أبطالها الكبيرة والمكلفة حد الوجع، كمعاداة الأهل من كلا الطرفين، انتصرا فيها لحبهما، اليوم، وأمام هذا الجرح الفاغر فاه باتساع الخيبة والألم والحلم، انظر لقناعاتي وكأنها تهزأ بي، لأتساءل: ما قيمة كل تلك التضحيات أمام نهايات هزيلة كهذه؟!

ما قيمة الحب الذي كافحنا من أجله وآمنا به، وأُخذنا ببريقه، أن يتحول ذات منعطف، إلى خنجر مسموم في خاصرة القلب؟، ما معنى أن نُكافئ بعد مضينا فيه أجمل سنين العمر، بورقة ولقب وأطفال وكثير من الأوهام، وقبض الريح؟!

[email protected]