الثلاثاء - 22 يونيو 2021
الثلاثاء - 22 يونيو 2021
No Image Info

طبق فرنسي فاخر

في إحدى سفراتي إلى فرنسا وجدت أقدامي تجرني من دون وعي إلى مطعم فاخر جداً، كدت أنسحب ولكني خجلت فاضطررت إلى الجلوس مع ابتسامات وترحيب الغرسون الفرنسي، فتحت قائمة الطعام وبرغم أني اعتبر نفسي خبيرة في المطبخ الفرنسي إلا أنني أعترف وقتها بأني لم أفهم أي شي مما ذكر وهذا جعلني أخاف أكثر من الفاتورة التي سأدفعها، وبما أني كنت في موقف لا يمكن التراجع فيه والخسائر ستلحقني شئت أم أبيت أخبرت الغرسون بأني سآكل مما يقترحه لي الطباخ أسوة بفيلم «راتاتوي».

عاد الغرسون قائلاً إن الطباخ اختار لي طبقاً بحرياً غريباً، وجاء الطبق الفاخر وسميت بالله وأكلت، استمتعت به لدرجة لا توصف ودخلت عالماً سحرياً جميلاً بمذاقه الرائع الغني.

كان الغرسون يراقبني من بعيد ودخل المطبخ ربما ليخبر الطباخ عن مدى رضائي وسعادتي وفجأة خرج الطباخ الفرنسي.


هبّ رواد المطعم لتحيته وأخرجوا الجميع هواتفهم المحمولة كي يصوروه ويصورون معه، إلا أنه اخترقهم جميعاً ليأتي لطاولتي، وعرفت فيما بعد أنه طباخ مشهور نادراً ما يخرج للعموم، جاء إلي مباشرة ورفع قبعته البيضاء ليحييني وشكرني كثيراً لأني أحببت ما طبخ، وعبّر عن سعادته لسبب بسيط وهو «أني تقبلت طبقه كما هو» كان عجبي كبيراً على تعليقه وسألته عن السبب فأخبرني أنه وفي يوم ما طبخ بمزاج وفن وأعد طبقاً مبتكراً لزبون أمريكي، أخذ منه وقتاً طويلاً فقط ليعد «التتبيلة» التي تنسكب على طبقه، طبخ له بمقادير موزونة وكأنه عالم كيميائي، انتابه الفخر عندما انتهى ثم أرسل الطبق للزبون، ومن فرط فضوله لمعرفة رأي الزبون راقبه من طرف باب المطبخ وصعق الطباخ عندما رأى الزبون وقبل أن يتذوق الطعام طلب كاتشب ومايونيز وأفرط في عصرهم على الطعام ثم أكله، زمجر الطباخ غضباً وفسد يومه وندم على أنه طبخ لمن استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.

الحكمة من وراء كل الحكاية التي ذكرتها لكم أنه من الأفضل أحيانا أن نتخلى عن عاداتنا ونكسر القواعد والروتين ونجرب ونغامر، وبما أنه عام التسامح في دولة الإمارات الحبيبة، أذكر نفسي وأذكركم بأنه شي جميل أن نقدر ونتسامح مع كل الحضارات الأخرى في كل جوانب ثقافاتهم وليس فقط في الأكل.

أتذكر مرة أني سعدت جداً وشعرت بالفخر عندما جرب جيراني الآسيويون «الكبسة السعودية» لأول مرة في حياتهم بل وسألوني عن نوع البهارات وأخبروني أنهم أحبوها كثيراً وسيتعلمون طبخها، شعرت وقتها بالتقدير والامتنان.

نسيت أن أخبركم أن ذلك الطباخ الفرنسي، والذي كان مالك المطعم، لم يقبل أن أدفع يومها الفاتورة وقال «تقديرك لطعامي لا يعادله أي مال في الدنيا».

[email protected]
#بلا_حدود