الأربعاء - 16 يونيو 2021
الأربعاء - 16 يونيو 2021

رثاء الذاكرة ..

هل حدث وأن صحوت بذاكرة مفقودة جزئياً؟ وهل حدث أن فقدت ذاكرتيك، الحية والإلكترونية التي تحفظها في جهازك المحمول معاً؟

ذات يوم، صحوت من نومي باكراً بذاكرة مغبشة، كنتُ أهمُّ بفتح جهازي المحمول، لاستجلاء الوقت، فوجدتني عالقة في قفل الهاتف الذي تبخر من رأسي تماماً مع سحابة الغبش المتسربلة بها منذ وقت إفاقتي؛ لأفقد مع ثِقل غلالتها السوداء كل حافظتي أو ذاكرتي المحفوظة بين طياته.

من الأمور المؤلمة التي يمكن أن تمر بأشخاص تستوقفهم تفاصيل التفاصيل مثلي، أن يجدوا أنفسهم من دون تلك التفاصيل وبلا مقدمات؛ الذاكرة التي يمكن الاستدلال بها عليهم من خلالها؛ بين طيات صور وومضات وملاحظات وقصاقيص وخواطر بعضها مكتمل والبعض الآخر بقي مبتوراً كمشروع لفكرة ربما لم يئن مخاضها، والكثير من الخربشات الخاطفة التي خُطّت على عجل أثناء زحمة الأفكار وضيق الوقت حينما لا نجد وقتاً للبحث عن ورقة وقلم لندونها في أجهزة قد تبطل صلاحيتها في لحظة وتصادر معها كل ما يعنيك ولا تحفل بوجعك وربكتك!.


لتلك التفاصيل التي كنتُ أداريها وأحفظها بماء العين، بكيت، ولأول مرة في حياتي أبكي ذاكرتين معاً، أعنّف ذاكرتي التي خذلتني وأستجدي ذاكرة رقمية.

بكيت ذاكرتي ورثيتها، وكأن لم يبك ذاكرته غيري!، حتى وجدتني أهذي بها صمتاً وأنا أقلّب فراغها الموحش: كيف أسترد ما حفظته واستأمنته إياها أو أودعته ذمة ذلك الجهاز اللعين، الذي أنكرني في لحظة «تعطل ذاكرتي» المؤقت عن استذكار مفتاحه السري؟!، كيف أستعيد حواراتي الشائقة مع أصدقاء استثنائيين لا يشبهون إلاّ أنفسهم، أولئك الذين يستحلونك بلا استئذان، ممن يحدث أن تصدفهم في العمر مرة واحدة؛ الذين يستنطقون لغتك، ويفتقون مخيلتك، ويستدلون على مكامن وجعك، وتتساقط كلماتهم كالبلسم، فتسكن، بجرعات المواساة المنبثقة من أصواتهم وبدفء قلوبهم الوارفة بالحب والحكمة؛ تلك الحوارات التي كنت أعود إليها كقصيدة عشق كلما شعرت بانهزام الهمة وانحسار بريق الحياة في روحي، فألوذ بنفسي صوب ذخائري الافتراضية .. لذاكرتي المشتركة معهم؛ وكأني بذلك أُربتُ على قلبي؛ أتدثر عطر كلماتهم وأغفو هانئة بسلام، دون أن أدري أن «ذخيرتي» قابلة للضياع!

الآن، من أين لي جمع أسراب تلك الومضات التي تشبه وقتها وزمانها وبذات الألق مرة ثانية في حافظة جديدة، كيف ألملم أطراف حوارات لا يمكن أن تتكرر بذات التدفق وبذات العمق والوهج؛ حينما يتلاقى وميض الخواطر وسواقي القلوب، من أين لي أن أسترد صوراً ثمينة بين الكثير منها يختبئ مفتاح القصة وروح ووهج القصيدة، كيف ألجم حنيني وحاجتي لها لكما عنّت عليّ؛ كيف؟

فكم مرعب هو ذلك الشعور، حينما تجد نفسك مفلساً، خاوياً من ذاكرتك الحميمة المؤرشفة الإلكترونية؛ تلك التي كنتَ تتوكأ وتلوي عليها كلما هزمك الوقت أو الناس؛ شعور يشبه الضياع أو «اليُتم».

[email protected]
#بلا_حدود