الثلاثاء - 28 يناير 2020
الثلاثاء - 28 يناير 2020

لماذا يا هذا؟

محمد أبوكريشة
مدير عام تحرير صحيفة الجمهورية المصرية ومستشار دار التحرير للطبع والنشر في مصر وكاتب صحافي في عدة صحف مصرية وعربية
بحكم القبلية صار الدين أدياناً والإخوان قبيلة وداعش قبيلة والسلفيون قبيلة والحوثي قبيلةطرد العرب القَبَليَّة من الباب، فدخلت من الشباك مع الفتنة الكبرى التي بدأت بمقتل سيدنا عثمان، وعندما تسللت القبلية من النافذة لجأت إلى تغيير ملامحها وثيابها حتى لا يطردها العرب مرة أخرى، فخلعت ثياب العرق والنسب وارتدت ثياب الدين والفكر، وألقت بلافتات عبس، وذبيان، لترفع بدلاً منها لافتات المذهب والطائفة والجماعة والتنظيم.

القبليّة منذ الفتنة الكبرى دينية وفكرية وليست عرقية، وبحكم هذه القبلية صار الدين أدياناً وصار الإخوان قبيلة وداعش قبيلة والسلفيون قبيلة والحوثي قبيلة .. وكل هؤلاء يرفعون لافتات دينية وفرقوا دينهم وصاروا شيعاً، كما ظهرت في الأمة بفعل القبلية ثنائيات عجيبة لا وجود لها في العالم كله، وقامت من حولها حروب وصراعات وجدليات عقيمة مثل: ثنائيات الرجل والمرأة، والشباب والعواجيز، والنظام والمعارضة والأصالة والحداثة وأهل الدين وأهل الدنيا، وكل هذه ثنائيات افتراضية وهمية هدفها تجذير القبليات الفكرية والدينية، وإلباس الأفكار والعقائد ثياب القبيلة.

كما خلقت هذه القبلية صراعات بلا نهاية، وسالت من أجلها دماء بريئة، وكانت المحصلة دائماً قبض الريح، وعلت الشخصنة والذاتية على الموضوعية، وفقد العرب البوصلة والقواعد المؤسسية، لذلك يبدؤون دائماً من الصفر ولا أحد يبني على ما أقامه سلفه .. فنحن في حالة شطب ومحو مستمرة لارتباط الأمور بالشخصنة والذاتية والقبلية الفكرية والدينية، لا بالمعايير الموضوعية.


كما أدت القبلية الفكرية والدينية إلى احتكار الحقيقة والتعصب والعزة بالإثم، وصار العيب في الإناء المصنوع من مادة مُسمّمَة وليس في السائل الموضوع فيه، فكل النظريات والأفكار جميلة ومثالية ولكنها تفسد عندما توضع في هذا الإناء العربي المسمم، فقد فسدت فيه الاشتراكية والرأسمالية والليبرالية والديمقراطية، بل وفسد فيه الدين نفسه.. والأدهى أن ترى الكل مثلاً يعارض نظاماً حاكماً واحداً، ولا تفهم لماذا أصبح معارضو نظام الحكم الواحد فصائل، بل وفصائل متناحرة، كما يحدث في سوريا مثلاً .. كيف يثورون على نظام واحد يعارضونه، ثم يتحولون إلى فصائل متصارعة؟.. أليست تلك قبلية مقيتة؟.. فالعرب لا يعملون فريقاً واحداً.. هم دائماً فرق وشيع، وعلى خلفية كل ذلك نتساءل: لماذا هذا؟.. لا توجد إجابة شافية، مع أن السؤال السابق سيبقى مطروحاً.
#بلا_حدود