الثلاثاء - 28 سبتمبر 2021
الثلاثاء - 28 سبتمبر 2021

تونس.. وجدل المساواة المُمْطِر

عبدالجليل معالي
كاتب صحفي تونسي. حاصل على شهادة الأستاذية في التاريخ. صحفي في جريدة العرب الدولية منذ أكتوبر 2012. له كتابات في مجلة الهلال، وجريدة الأهرام، ونشرية مقاليد، فضلاً عن كتابات في صحف تونسية عدة.
أعاد الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي قضية المساواة في الميراث بين الجنسين إلى صدارة سجالات التونسيين، ذلك أن مقترح قانون المساواة في الميراث لم يكن وليد اللحظة الراهنة المسكونة بهواجس المواسم الانتخابية، بل كان استدعاء مقصوداً لتلك المبادرة التي أعلنها الرئيس نفسه في 13 أغسطس 2017، وحرّكت يومذاك مياهاً راكدة، تونسية وعربية وإسلامية.

إعلان الرئيس التونسي في كلمته أمام مجلس حقوق الإنسان، بإشارته إلى أن مقترح المساواة في الميراث يتماشى مع الدستور التونسي، أعاد السجال إلى أقصاه .. الرافضون عادوا إلى مواقعهم وبراهينهم الدينية، والمدافعون ركنوا إلى حججهم المشتقة من ضرورة الانسجام مع مدنية الدولة التي أقرتها قوانين البلاد ودستورها.

كلمة الرئيس التونسي وموقعها، بكل ما يحفل به من رمزيات (مجلس حقوق الإنسان) وتوقيتها على مشارف أشهر قليلة من موسم انتخابي قائظ، تتضافر لتعلن أن تجديد طرح المقترح، وهو تكتيك سياسي، يضع امتحاناً آخر أمام حركة النهضة الإسلامية، ويجعلها أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما أن تلتزم بما يقتضيه دستور عام 2014، وبما تحتاج إليه مدونة الأحوال الشخصية لعام 1956 من تجديد وتحيين، وبما يحتمه الواقع الاقتصادي والاجتماعي في تونس من ملاءمة بين طموحات المرأة التونسية وواقعها.

وإما أن تخضع لثوابتها الإسلامية التأسيسية ولأهواء صقورها وقواعدها التي تطالبها بالوفاء لمنطلقاتها الدينية. وفي الخيارين ستخرج النهضة خاسرة؛ إما صورتَها التي تكابد من أجل تجميلها أمام العالم والخصوم، وإما قواعدَها وخزانَها الانتخابي.

لاشك، أن هناك فائدة من إثارة هذا السجال، وإن كان انتخابياً، ثتمثل في أن الموضوع هاجر الفضاءات النخبوية التي كان يرابط فيها سابقاً، وتحول إلى الإعلام والصحافة والمؤسسات السياسية، باعتبار أن مجلس نواب الشعب بدأ الأربعاء الماضي (27 فبراير الماضي) مناقشة المبادرة الرئاسية حول المساواة في الميراث، وهو دليل على النفاذ في رؤى المجتمع والناس.

مبادرة المساواة في الميراث، وإن كانت غايتها انتخابية هدفها إحراج خصم أو اختبار استعداداته للتنازل ومبارحة مواقعه القديمة، فإنها مع ذلك تظل مفيدة للمجتمع التونسي، ثم أن تحول المقترح إلى قانون سيعد إضافة لمكتسبات مجلة الأحوال الشخصية وترصيصاً لبنيان الدولة المدنية، وإن لم يتحقق فحسبُه أنه رفع منسوب النقاش وسقفه وخلخل السواكن .. مبادرة المساواة في الميراث، هي المطر الذي حيث نزل فإن خراجه للمجتمع التونسي التائق إلى الحداثة والمعاصرة.
#بلا_حدود