الخميس - 18 أبريل 2024
الخميس - 18 أبريل 2024

الذّات تشكّل العالم

من المقولات الخالدة للفيلسوف اليوناني سقراط «اعرف نفسك بنفسك»، وهو من أوائل الفلاسفة اليونان، لم يعرف له كتاب أو مقالات تركها، لكن تلامذته نقلوا عنه تراثاً هائلاً من الأفكار، مثل أفلاطون الذي أسس للمذهب المثالي، وأرسطو الذي أسَّس للمذهب الواقعي.

ثار سقراط على منظومة الأفكار السائدة في عصره، فرفض تعدد الآلهة، ودعا إلى إله واحد، ونادى بالحكم لمن يستحقه لا من تنتخبه العامة، وحين حكم عليه بالإعدام بتهمة إنكار الآلهة وتحريض الشباب على تبني أفكاره واجه الموت بشجاعة لأنه يؤمن بالخلود بعد الموت، ورفض مساعدة تلامذته للهرب، وتجرع السم بكل إقدام.

فكرة أن يتعرف الإنسان على نفسه بنفسه من أكثر الأفكار تأثيراً في مدارس التربية وعلم النفس، فأحياناً نعرف الآخرين ونهتم بتفاصيلهم أكثر مما نعرف أنفسنا ونعي تفاصيلنا، وأحياناً يشغلنا فهم الآخرين من أجل النجاح في التعامل معهم في الوقت الذي نجهل فيه أنفسنا فنفشل في التأقلم مع الحياة.. البعض لا يعرف ماهية شخصيته، وممَّ تشكلت ذاته، وماذا يريد فيتخبط ملقياً اللوم على الآخرين، وعلى ظروف المجتمع، وعلى سوء الأحوال.


غالباً، وربما بشكل يومي، نقف أمام المرآة لنطمئن على أشكالنا وهندامنا.. نقلق من بعض البثور، التي قد تتطفل على وجوهنا، وننتبه لشيء من الشحوب يعتري جلودنا، وننتبه لتناسق ألوان ما نلبس، لكننا قليلاً ما نفحص شخصياتنا وكيف تبدو أمام الناس، وكيف يرانا الآخرون، وكيف يستقبلون سلوكياتنا وأفكارنا وأقوالنا.


إن معرفتنا بأنفسنا، وقيامنا برحلة للتعمق في عالمنا الداخلي، تكشف لنا مسائل مهمة، مثل كيف (نُذوِّت العالم) ونعيد إنتاجه أفكاراً ومشاعر، وذلك عبر حواراتنا الداخلية ومناقشاتنا الشخصية لنضفي عليه جزءاً من خصائصنا التي تتجلى في كلامنا وسلوكنا. فشخصياتنا لم تكتمل بمغادرتنا سن الطفولة والدراسة، فالذات كائن مرن، أشبه بالطفل، يعاد تشكيله دائماً بالوعي به وإعادة بنائه كلما احتجنا لذلك.

اكتشاف ذواتنا في محاولة لفهمنا عملية ليست بالسهلة، وهي معقدة لأننا نحمل تصورات إيجابية جاهزة عنا، لكن الآخرين يملكون مجسَّات أكثر موضوعية للتعرف إلينا، يصعب علينا نحن استخدامها، وفي هذا السياق، فإن سقراط يُكمل دائرة معرفة الذات بمقولة ثانية لا تقل أهمية عن الأولى.. يُروى أن فتى مغروراً ومن عائلة مرموقة مر على أكاديمية سقراط في أبهى حلله وأفخرها، وحين سأله سقراط: من أنت؟ تعجب الفتى من جهله به، فقال له سقراط هازئاً: تكلم حتى أعرفك.

معرفتنا لأنفسنا، وقيامنا برحلة للتعمق في عالمنا الداخلي، تكشف لنا مسائل مهمة.