الثلاثاء - 28 يناير 2020
الثلاثاء - 28 يناير 2020

العقدة الجزائرية

محمد الحمادي
صحفي وكاتب ومتحدث وإعلامي، يتولى حالياً رئاسة تحرير صحيفة الرؤية ومنصاتها الرقمية، وهو المدير التنفيذي للتحرير والنشر السابق في شركة أبوظبي للإعلام ورئيس التحرير السابق لجريدة الاتحاد. يحظى بعضوية العديد من المنظمات والجمعيات، حيث أنه رئيس مجلس إدارة جمعية الصحفيين الإماراتية بدبي وعضو مجلس الاستشاريين في قناة سكاي نيوز عربية (أبوظبي). حصل على العديد من الجوائز، منها: جائزة شخصية العام الاتحادية من مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، ووسام وزير الداخلية لخدمة المجتمع، وجائزة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان للعمل الإنساني. صدرت له 4 كتب هي: زمن المحنة (2008)، وديمقراطية الإمارات (2009)، وخريف الإخوان (2016)، والمقاطعة (2018).
في مظاهرات شعبية تعتبر الأكبر منذ 30 عاماً يواجه الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة اعتراضات ورفضاً شعبياً كبيراً لإعادة ترشحه في انتخابات الرئاسة المقبلة، والتي لا ينافسه فيها أحد، فقد خرج الجزائريون إلى الشوارع منذ أسابيع ليعلنوا عن ذلك لأول مرة بكل وضوح.

ويبدو أن الشعب الجزائري مصرٌّ هذه المرة على منع ترشح بوتفليقة لعهدة خامسة وهو في تحركاته السلمية الأخيرة لا يلقي بالاً للغازات المسيلة للدموع ولا لتهديدات الرئيس ولا لموقف الجيش الذي من الواضح أنه يترقب ما قد تسفر عنه تطورات الأحداث، أما الحزب الحاكم فهو آخر ما يهم الشارع، خصوصاً بعدما تبيّن أنه مهدد بالانهيار بعد الحديث عن استقالة عدد من نوابه!

ولا يختلف الجزائريون على مكانة بوتفليقة السياسية ولا يقللون من تقديره باعتباره شخصية وطنية ومجاهداً له دوره في بناء الجزائر الجديدة، لكنهم يرفضون استغلال مَن حوله لاسمه وتاريخه، فالشارع الجزائري يعتقد أن مرض بوتفليقة يجعله خارج نطاق اتخاذ القرار وبالتالي فإن مَن حوله يتخذون القرارات ويستخدمونه لتحقيق أهدافهم وهذا ما لا يقبله الشعب ولا يريده أن يستمر.


وبلا شك، فإن مطالب الجزائريين منطقية ومشروعة، وتأتي بعد سنوات من الصبر والصمت، لكن هناك حقيقة سياسية وعقدة في الحالة الجزائرية اليوم، فهناك من يرى أن نجاح هذه الاحتجاجات يؤسس لعودة ما يسمى بـ «الربيع العربي» في أماكن أخرى بعد أن فقد هذا الربيع زخمه وتأثيره، وفي هذا السياق هناك من يرى ضرورة استمرار ترشح بوتفليقة، وفوزه ـ وإن تطلب تدخل الجيش ـ لأن تراجعه عن الترشح سيعني أن ربيع الجزائر كسب المعركة، ولا يرى هؤلاء إشكالاً في أن يستقيل الرئيس بعد أيام من عهدته الخامسة.

وهناك من يرى أن دفع بوتفليقة إلى الانسحاب تحت ضغط الشارع قد يفتح مجالاً لعودة القوى المتطرفة إلى الجزائر وانتشار الفوضى، وفي ذلك تهديد لأمن المنطقة وتهديد لأمن ومصالح أوروبا.

المعادلة الصعبة في الجزائر هي أن هناك شارعاً لديه مطالب ويريد نجاح تحركاته، وفي المقابل هناك أطراف لديها حسابات أخرى لا تريد نجاح تحركات الشارع! فمن لديه القدرة على فك العقدة الجزائرية وتقديم المعادلة المنطقية والمعقولة سياسياً وشعبياً، والتي تجعل الأطراف تقتنع بالقرار الذي يتم اتخاذه والحل الذي يتم الاتفاق عليه.
#بلا_حدود