الجمعة - 14 يونيو 2024
الجمعة - 14 يونيو 2024

المؤقت والدائم في مصر

ارتباط المصريين بالأرض منحوت منذ بداية التأريخ على جدران المعابدهناك مجتمعات عندما تواجه أزمة، فإن أكثر طرقها ازدحاماً وقتها يكون الطريق إلى المطار، فالأكثرية القادرة على المغادرة تبادر بالخروج، وهناك مجتمعات أخرى يبدو وكأن أهلها كالأشجار العتيقة التي تضرب جذورها في عمق الأرض لا تغادرها ولا تتمكن المشكلات والأزمات من نزعها من أرضها.. النوع الأول هي ما يمكن تسميتها بالمجتمعات «الترانزيت» أو العابرة، والنوع الثاني: يمكن تسميته بالمجتمع الوطن.

ظل المصريون لقرون طويلة ينتمون إلى النوع الثاني من المجتمعات، ويصلح لشرح أسباب ذلك العديد من عوامل الجغرافيا والتاريخ والثقافة الشعبية.. ارتباط المصريين بالأرض منحوت منذ بداية التأريخ على جدران المعابد.

يخرج المصري وراء الرزق إلى أركان الأرض ولا يقطع حبله السُري معها.. يعيش خارج بلده لأكثر مما عاش فيها، ويظل يخطط لليوم الذي سيعود فيه.. محل معيشته غير بلده يظل مؤقتاً.. يعامل مسكنه الجديد باعتباره غير دائم، لا يضع فيه أفضل ما يمكنه من فرش أو أجهزة، في حين يتعامل مع بيته في مصر باعتباره الأساسي، يشتري له الأفضل، منتظراً اليوم الذي يعود له فيه، حتى لو كان الواقع والمنطق عكسياً.. إنها مصر حلم العودة إلى الأرض.


هذه الحالة هي نتاج لطبيعة المجتمع الذي نشأ على ضفاف النهر واستقر وذاق طعم الاستقرار والارتباط بالأرض.. هي أيضاً حالة نتيجة لتراكم طويل من الخبرات والتجارب على مر التاريخ، بحيث نحت هذا التراكم ملامح الشخصية المصرية، تلك الملامح التي ترى في الارتباط بالأرض مصيراً واختياراً.


هذه الحالة التي بدت دائماً كأنها يقين كانت قد بدأت تهتز بشدة وقت حكم الإخوان المسلمين، تسبب وجودهم وسيطرتهم على الحكم والبلاد في مصر في هز يقين المصري في أبدية ارتباطه بوطنه، وأمكن ملاحظة أن حجم الهجرة أو الرغبة في الهجرة، أو الهروب، بين المصريين من مصر في أعلى مستوياتها.

صرنا نقول إن قطاعاً كبيراً من المصريين أصبح إما خارجها أو يخطط للخروج أو يحلم به.. بدا كأن الإخوان قد نجحوا نسبياً في تغيير التركيبة النفسية لقطاع كبير من المصريين، ونجحوا في زعزعة ثابت في التكوين المصري في ارتباطه بأرضه وزرع محله الرغبة في الخروج أو الهروب.

سقط الإخوان بفضل ثورة المصريين مدعومين بجيشهم، وتراجع التأثير السلبي الذي وضعوا بذرته، لكن بقي أن يكون حاضراً دائماً أن استقرار الدول يقاس بمستوى هروب أبنائها إلى الخارج.. قيمة البلد عندما يكون وطناً حقيقياً، وقيمة المواطن عندما يكون مرتبطاً بحق هذا الوطن، وهذا تحدٍّ دائم واختبار مستمر.