الاثنين - 20 سبتمبر 2021
الاثنين - 20 سبتمبر 2021
No Image Info

«الشيخ غوغل».. الأزهري الموازي

أحمد المسلماني
رئيس مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية، عمل مستشاراً سابقاً للرئاسة المصرية، له العديد من المؤلفات السياسية، قام بتحرير كتاب "عصر العلم" تأليف الدكتور أحمد زويل الحائز على جائزة نوبل في العلوم، تقديم الأديب نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل في الآداب.
أصبح محرِّك البحث «الشيخ غوغل» هو المرجع الديني الأول في العالم الإسلامي.. يذهب السائلون إليه على مدار الساعة.. يستفتون في أمور دينهم ويتساءلون بشأن العقيدة والشريعة. أصبح هذا المحرك بمثابة الداعية الإسلامي الأكثر نفوذًا وحضورًا.. هو منبر الجميع ممّن يضعون السؤال وينتظرون الإجابة.

لا يعرف أغلب المستخدمين الكثير عن أولئك الذين يجيبون.. إنها أول إجابة وحسب، أوهي أكثر الإجابات تكرارًا وإلحاحًا، من دون النظر إلى حقيقة ومستوى ذلك الموقع، أو عمّن يقف وراء هذه النتيجة.

أصبح «الشيخ غوغل» هو مفتي عام الشعوب، وهو من دون شك مفتي عام الشباب.. ثم إنّه المصدر الرئيس للمعرفة الدينية لدى غير العرب من المسلمين، ولدى المسلمين الجُدد.

لقد باتَ «الشيخ غوغل» وكأنَّه «الأزهر الموازي».. وقد نشأتْ في دهاليزه أعداد هائلة من الذين لم يأخذوا علوم الإسلام من مصدر آخر. كان يمكن لـ«الشيخ غوغل» أن يكون دعمًا قويًا، وسندًا حقيقيًا للمعرفة والقيم.. لكن سطوة الجماعات المتطرفة، واختطاف التنظيمات الإرهابية للكثير من نتائج البحث.. قد جعل منه عدوًا مخيفًا، ومددًا لا ينتهي للتشدد والدمّ.

إن المواقع والصفحات والحسابات التي يديرها متطرفون بلا حدود، تدفع بمخلفّاتها إلى سطح «غوغل» ملايين الصفحات كل يوم فكل جاهل يدعم جاهلًا آخر، وكل متطرف يؤيد متطرفًا آخر.

جزءٌ كبيرٌ من نشاط «الشيخ غوغل» يعمل ضدّ الوسطية والتسامح والاعتدال، وجزءٌ كبيرٌ آخر يعمل لصالح الكراهية والعنف والقتل، بالطبع فإنَّ جانبًا من نتاج «الشيخ غوغل» يتسم بالاحترام والاعتدال .. ثمّة مواقع رفيعة للأزهر الشريف ولدور الإفتاء ولمؤسسات دينية وشخصيات إسلامية جليلة، لكنها جميعًا لم تستطع الصمود أمام وابل المتطرفين الذين أطلقوا تسونامي «الجهاد الإلكتروني»، إذْ تمكَّن ذلك الإعصار من إغراق الكثير من مواقع الاعتدال في غياهب الشبكة العنكبوتية اللامتناهية.

لقد دفعتْ دول ومولَّت أجهزة استخبارات عديدة ذلك الإعصار، ولم يكن طوفان المواقع المتطرفة وليد رؤية المتطرفين وحدهم، وإنما كان نتاج تحالف وثيق بين العملاء والجهلاء.

يحتاج «الشيخ غوغل» إلى مواجهة.. إلى حركة كبرى من أجل تصحيح المسار.. أنْ تكون الحداثة في خدمة الإنسان لا في خدمة الإرهاب.. أنْ يحلَّ الذين يعملون محلَّ الذين في عقولهم وهن وفي قلوبهم مرض.

إن المعركة الرقميّة هي «أمّ المعارك» في الحرب ضد الإرهاب.. من الشاشة تبدأ المأساة، ومنها يمكن أن تنتهي.

لقد عرضت على فضية الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، وكنتُ ضمن الوفد المرافق لفضيلته إلى إندونيسيا.. أن يطلق مشروعًا لتمكين «الشيخ غوغل الأزهري» والإطاحة بـ «الشيخ غوغل المتطرف».

إن الوقت لا يزال مناسبًا، لا شيء متأخر إذا ما ابتدأ.. هذا أوان المواجهة الرقمية، وتعديل مسار الشيخ غوغل.. لن تؤدي كل جهود مكافحة التطرف والإرهاب إلى شيء.. إذا ما بقي «الشيخ غوغل» يمثل الأزهر الموازي في العالم الإسلامي.

يحتاج العالم الإسلامي إلى هجمةٍ مضادة كبرى ودائمة.. إلى الإلحاح بالاعتدال وإغراق المتطرفين في فيض التسامح.
#بلا_حدود