السبت - 25 يناير 2020
السبت - 25 يناير 2020
No Image

القوة الرابعة لدبلوماسية الشرق الأوسط

ساتوشي إيكوتشي
أستاذ في جامعة طوكيو، مفكر وأستاذ قسم الأديان والأمن العالمي في مركز أبحاث العلوم والتكنولوجيا المتقدمة (RCAST) ـ جامعة طوكيو. يشمل تخصصه السياسات الإسلامية والسياسة الإقليمية في الشرق الأوسط والعلاقات الدولية بين آسيا والشرق الأوسط.
إن السياسة الدبلوماسية والدولية في الشرق الأوسط على وشك التغير بشكل جذري، ذلك لأن هناك توازناً جديداً في «القوى» اللازمة لدبلوماسية أكثر فاعلية، وأكثر نجاعة، وأكثر تحقيقاً للمكاسب السياسية والاقتصادية على الصعيد الدولي، وهذا على خلاف الماضي، حيث كانت ثلاث قوى رئيسة للدبلوماسية، وهي: القوة العسكرية، والقوة الاقتصادية، وقوة القيم.

لا يزال الجيش أهم مكون في السياسة الدولية للشرق، حيث من يمتلك السلاح النووي يُرتب أولاً، ومن هنا تتضح القضية الأكثر إثارة للجدل في السياسة الدولية للشرق الأوسط، فحتى الكيانات المستقلة وغير التابعة للدولة يمكن الاعتراف بها كجهة فاعلة وشريكة مهمة في تحريك وتسطير سياسات الشرق الأوسط، إذا كان لهذا الكيان قوة عسكرية فعالة على الأرض، مثل: القوات الكردية في سوريا والعراق وغيرهما، وتحل ثانياً القوة الاقتصادية، حيث يمكن للدول الأصغر حجماً استخدام البعد الاقتصادي للتأثير أكثر فأكثر في الدول الأكبر، بحيث يمكنها أن تمنع هذه الأخيرة من اتخاذ قرارات معادية لها ولو إلى حين.

على الصعيد العملي لم تكتفِ دول الخليج بتحويل النفط والغاز إلى كهرباء فقط، بل حولتهما إلى قوة دبلوماسية ناعمة منذ حرب أكتوبر 1973، التي لا تزال راسخة في ذاكرة اليابان باعتبارها «صدمة نفطية»، حيث هدد عمالقة النفط في الخليج بقطع الإمدادات عن الدول الداعمة لإسرائيل.


أما القوة الثالثة، أو المكون الثالث في السياسة الدولية للشرق الأوسط، فهي: القيم أو بمعنى آخر الشرعية، وهذه القيمة تتكون من مكونات عدة، أساسها: وجود سند في القانون الدولي، أو حشد دعم قوي لتحريك الرأي العالمي، وترتبط هذه القوة بدور الأذرع الإعلامية في الداخل والخارج للترويج لمخرجات الشرعية دبلوماسياً، وهنا نجد أن القيمة الدبلوماسية ليست قيمة مادية بحتة، لكنها ضرورية لإقناع الأطراف الأخرى دولياً، فإن لم يكن نصراً دبلوماسياً واضحاً فتعادلاً مع المنافسين، لذلك فالصراع العربي - الإسرائيلي حافظت فيه الدول العربية دبلوماسياً لا عسكرياً على شرعية القضية بنوع من التكافؤ الدولي لعقود.

ومع ما سبق من مكونات ثلاث للدبلوماسية، بزرت التكنولوجيا، كمكون رابع ناعم، مدني غير عسكري، حيث تعتبر حالياً المكون الأكثر رهاناً في الأمن العالمي، فعلى سبيل المثال: من الذي يجمع أكبر البيانات الضخمة؟ ومن الذي يحللها بكفاءة أكبر؟ ومن الذي يراقب الأعداء بشكل فعال بالأقمار الصناعية أو الذي يجمع المعلومات بشكل أكثر شمولية عن قدرات البحث والتطوير الخاصة بالمنافسين؟.

لذلك يُعدُّ التحكم في الفضاء الإلكتروني بعداً أساسياً في الدفاع العسكري الحديث، حيث يصبح نظام مسح العناصر المتطرفة والعنيفة ضرورة لحفاظ الحكومات والمجتمعات على الأمن الداخلي والخارجي.

إن القوة الدبلوماسية الصاعدة «التكنولوجيا المتقدمة» تشبه العملة القوية التي يمكنها شراء الخدمات الدبلوماسية حتى من الدول المعادية.. إنها تُغيّر المفهوم التقليدي، وتُغيّر أيضاً التوازن على حساب المفاهيم الأخرى.
#بلا_حدود