الخميس - 13 يونيو 2024
الخميس - 13 يونيو 2024

بين شرق الأطلسي .. وغربه

بين شرق الأطلسي .. وغربه
أتابع أحياناً بعض البرامج الحوارية على الفضاء العربي، فيكون أحدهم مثلاً يتحدث بلغة خطابية متشنجة عن «الغرب» وسياساته ومؤامراته! ثم حين يتم الاستيضاح منه أكثر، يكون جوابه السهل بأنه يقصد أوروبا وأمريكا.. هكذا ببساطة، قارتان دفعة واحدة يتم حشرهما في كلمة واحدة كمفهوم واحد!.. الحقيقة مختلفة تماماً، والغرب ليس واحداً، والمصطلح خاطئ من أساسه، ولا يقدم إلا تضليلاً مستمراً، بعيداً عن الوعي بمفاتيح الفهم بين أوروبا وأمريكا، فهما حالتان متباينتان تماماً في العلاقات الدولية، وفي التكوين التاريخي والثقافي والاجتماعي كذلك.

قراءة الحالتين يجب أن تكون بتفاوت، لتضع الخط الفاصل الذي نغفل عنه أحياناً، بين العالمين الجديد والقديم.. إذن، المشكلة تكمن في قراءاتنا نحن، وزاويتنا التي علينا اختيار الرؤية منها، فإما زاوية حرجة وحادة تجعلنا نكرر الوقوع في عثراتنا، أو زاوية منفرجة مفتوحة على الفهم للخروج من دائرة الطباشير التي رسمناها في أذهاننا واستمررنا داخلها بعناد.

العالم الجديد، والذي شكل سبتمبر نيويورك الدامي مفصلاً فيه، اكتشف بعد انهيار البرجين وانكشاف المحيط أن الأطلسي ليس نهاية العالم، واستيقظ الأمريكي صباح الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 ليدرك أن الأطلسي قد تلاشى فجأة، لكن اختفاء الأطلسي والصدمة المروعة في انكشافه، لا تشكل عنصر كفاية في تغيير الذهنية الأمريكية التي تبلورت كمحصلة لتاريخ طويل له خصوصيته في المنشأ وميزته في التشكل فلا يزال التاريخ كما كان دوماً في الحالة الذهنية الأمريكية رديفاً للعدم، وبلا أهمية يمكن البناء عليها، وكما وصف الراحل «محمد حسنين هيكل» العالم الجديد بقوله إن (أمريكا كثير من الجغرافيا وقليل من التاريخ)، ونحن هنا نتحدث عن التاريخ بمفهومه الفلسفي كتعاقب أيدولوجي تراكمي وليس تتابعاً اعتباطياً للأحداث.


أوروبا.. حالة مغايرة ولا أقول معاكسة، فالتاريخ بالمفهوم الفلسفي ذاته يشكل جزءاً حيوياً من الذاكرة الأوروبية، ويبني عليه الأوروبيون بدون الاتكاء على الذاكرة في حالة سكونها، بل هو صيرورة مستمرة في فعل حركة تطور، ومن هنا يكمن معنى «الفهم» الأوروبي أحياناً للذهنية العربية المرتبكة جداً بالتاريخ، والمتكئة عليه كحالة سكونية معطلة حتى غدت الذاكرة الجمعية نمط حياة ومعياراً للقياس في ما لا يمكن القياس به أو عليه.


الأمريكي العادي جداً، يذهب يوم الانتخابات ليقترع على أحد الحزبين، والسياسة لديه تكمن في حجم الفواتير المكدسة في صندوق بريده، والأوروبي، يقترع وينتخب ويوجه سياسة مرشحيه حسب توجه رأي عام قادر على التأثير، وتلك مفاتيح فهم، تحتاج قراءة أكثر وعياً في العمق.