الثلاثاء - 28 يناير 2020
الثلاثاء - 28 يناير 2020

عيد «هولي» .. رمز التنوُّع وحب المرح

د. مجيب الرحمن
دكتور في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة جواهر لال نهرو ـ نيو دلهي، له مؤلفات وترجمات ومقالات منشورة في صحف عربية وغيرها من الجرائد بالهند.
يجري في هذه اللحظة، وأنا أكتب هذه السطور، الاحتفاء بعيد الألوان «هولي» على مستوى عموم الهند، في شوارعها وأزقتها وأسواقها وساحاتها العامة، يشترك فيه الأطفال والشبان والشيوخ رجالاً ونساء بحماسة ومرح بالغين، متناسين كل ما يدور في حياتهم، يلطخون بعضهم بعضاً بالألوان.

إذا رأيت عن قرب الجموع المتدافعة على «لعبة» الهولي، يخيل لك أنها انقلبت إلى مخلوق آخر: وجوه ملونة، وثياب ملطخة، وشَعر أغبر وأشعث، يطارد بعضهم بعضاً بالألوان، يرقصون على أغاني خاصة بالهولي .. وقد مررت بمثل هذه الحشود في حرمي الجامعي الذي يجتمع في ساحته العامة الطلاب والطالبات من جنسيات مختلفة، ويشتركون في لعبة الهولي بمرح جنوني، وذلك يقدم منظراً من عالم آخر، عالم عجائبي، وحتى إنني لم أستطع أن أعرف طلبتي، الذين قدموا التحية إليّ لأن شكلهم كان قد تغير إلى حدٍّ لا يُعرف.

الكثير من السياح الأجانب يتوافدون إلى الهند بمناسبة عيد الألوان وينغمسون في احتفالاته، فقد بات عيد الألوان من الأعياد الهندية التي لاقت قبولاً واسعاً بين الأجانب، ويعودون لبلادهم بذكريات حلوة لا تُنسى، وقد قال لي بعض الأوروبيين الذين استطلعتُ آراءهم: إنهم يحبون المشاركة في احتفالات «هولي»، لأنها تتيح لهم تجربة لا تُنسى من المرح، وتنسيهم كل ما يدور في حياتهم من متاعب وهموم، وتنقلهم إلى عالم آخر من السعادة والهناء.


يُنظر إلى عيد الألوان في الهند على أنه رمز لانتصار الخير على الشر، وقدرة الألوان الزاهية على تبديد كل أشكال التمييز العرقي والطبقي والاجتماعي. وهو عيد العفو والتسامح .. كما يعد هولي رمزاً لتنوع الهند الهائل، فالهند بسعة حجمها الجغرافي، وتنوعها الهائل في ملامحها الطبيعية، وتعددياتها العرقية والثقافية والدينية واللغوية تمثل قوس قزح يضم مئات الألوان، ويضفي عليها منظراً يجدر بأن يوصف بـ «ما أحلى المنظر وأجمله!»، حيث الحديقة تتزين بزهورها المتنوعة، وكلما كانت الحديقة أحادية أو ذات غلبة لنوع معين من الأزهار كانت أقل جمالاً ورونقاً.

وفي عصر العولمة وهيمنة الثقافات الكبرى، وتصاعد تيار التطرف الديني في كثير من المجتمعات الشرقية والغربية، وبالتالي انحسار قيم التسامح والتعايش وقبول الآخر، بات التنوع بجميع أشكاله ومظاهره مهدداً في العالم كله، فما أحوجنا اليوم إلى تكاتف وتضافر الجهود للحفاظ على التنوع في مجتمعاتنا، كي نتيح لكل زهرة حريتها وحقها في التفتح.
#بلا_حدود