الجمعة - 14 يونيو 2024
الجمعة - 14 يونيو 2024

الكتاب الأخضر

يقدم الفيلم السينمائي «الكتاب الأخضر»Green Book الحائز أوسكار أفضل لعام 2018، نموذجاً أخاذاً لكيفية تذويب الاختلافات الصارخة بمجرد اقتراب حقيقي .. وذلك بتلخيصه لرحلة قام بها الموسيقي الأمريكي من أصل أفريقي دونالد شيرلي، يرافقه فيها سائقه ومساعده الأمريكي أيضاً من أصل إيطالي توني ليب، وذلك في ستينات القرن المنصرم، أي في أوج الفصل العنصري .. كان الهدف الرئيس لدى الموسيقي من الذهاب إلى أكثر الولايات تطرفاً في عنصريتها آنذاك هو الاحتجاج الصامت على ذلك التطرف، وفي الوقت الذي رافقه «توني» في هدف تحسين أحوال أسرته المادية بعد العرض السخي الذي قدمت له شركة التسجيلات الراعي للموسيقي .. بدأت العلاقة بين نمطين مختلفين كلياً، تنجح أخيراً رحلة الاقتراب تلك في تذويبها.

أخيراً، كنت قد بدأت أشعر بأن الأعمال الفنية عموماً والسينمائية بشكل خاص تلك التي ما زالت تناقش أمر الفواصل العنصرية القائمة على اللون عالمياً، تجعلنا دائماً نبدو خارج سياق الواقع، لكون أن فكرة الفصل العرقي لم تعد قائمة بمفهومها الفيزيائي الصارخ بقدر ما جرى تذويبها في السلوك الذي يظهر هشاشة مقاومته أمام الاهتزازات الإنسانية التي تظهر بين الحين والآخر، لكن في هذا الفيلم تم الانتباه إلى الفكرة الكبرى، تلك التي ندور حولها جميعاً ونحن نردد شعارات فهم الآخر وتقبله دون أن نتماس معه فعلياً، دون أن نواجهه على طاولة طعام واحدة وجهاً لوجه، دون أن تلفحنا احتراقاته ودون أن نخوض تلك الربكة التي يخلفها ذلك الاقتراب، ربكة أن نقاومه أو نتوحد معه .. وكيف أن هذا الصراع الحيوي هو الأساس الحقيقي للعلاقة مع الآخر المختلف .. الاختلاف الذي تحله ربكة الخلاف المبدئي الذي تحدثه صدمة الاقتراب قبل أن يسيطر الود الإنساني الحقيقي هنا وليس القادم من تقبل البعيد المرتكز على صورته النمطية المعتادة.