السبت - 25 يناير 2020
السبت - 25 يناير 2020

التسامح.. هِبة إسلامية للعالَم

التسامُح كلمة جميلة تَطْوِي معانيَ وأبعاداً أخلاقية سامية كثيرة تَتَلَخَّص في احترام الآخَر وقَبوله بِغضِّ النَّظَر عن معتقداته أو آرائه أو عِرقه، وكلمةُ «تسامح» في اللغة العربية أدَقُّ وأكثرُ عُمْقاً من نظيرتها الإنجليزية (toleration) فالمفهومُ العربي يَتَضَمَّنُ المشاركة والتفاعُل؛ أيْ أنَّ الأطراف تَتَسَامَح دون أن تَكُون لأحدِهَا مِيزةٌ أعْلَى.

والتسامُح مُصطلَحٌ جديدٌ، لكنه كممارسة عرفته الحضاراتُ البشرية بدرجات متفاوتة، وغالباً ما ارْتبطَ بمظاهر الفروسية في الحروب، أمَّا الإسلام فقد مَنَحَه بُعْداً جديداً قانونيّاً شاملاً، فمَنَع إكراهَ الناس على الدِّين. وكان الرسولُ صلى الله عليه وسلم مثالاً للتسامُح، إذْ وَضَعَ وثيقةَ المدينة التي تُعَدُّ أقْدَمَ دُستور مكتوب في التاريخ البشري.

واعْترفَ هذا الدستورُ للأقَلِّيَّات بدينهم وشؤونهم الداخلية، فاليهودُ وفقاً للمادة الثانية منه (أمَّةٌ مع المؤمنين؛ لليهود دينُهم وللمسلمين دينُهم).


وجَسَّدَ النبيُّ مُثُلَ التسامُح أيضاً بعفوه العام عن قريش بعد فَتْح مكة، بلْ جسَّده قبل ذلك بإغاثَتِهم عندما قَحَطَتْ بلادُهم، فأرسل إلى قادتهم بعضَ الأموال ومَوَادَّ غذائية لتوزيعها على المحتاجين، وتُمثِّل معاهداتُ المسلمين مع الْمغلوبين – لا سيَّما معاهدة تسليم القدس – أمثلةً فريدة للتسامُح، ولَم يُكْره المسلمون أحداً على الإسلام؛ لذلك نجد الآنَ أقَلِّيَّات دينية تعيش بينهم منذُ أكثر من 14 قرناً، ولا نَجِد مثلَهم في أورُبَّا.

نعمْ قَدَّمَت المسيحيةُ للعالَم مبادئَ التسامُحِ والحُبِّ، غيرَ أنَّ تلكَ المبادئَ التي نادت بها المسيحيةُ الحقَّةُ شيءٌ والممارساتُ الفعلية للإمبراطورية الرومانية (والبيزنطية لاحقاً) شيءٌ آخَر، أمَّا الدولة الإسلامية فاعْتَرَفت للآخَر بحريته، فنَعِمَ المسلمون وغيرهم بتسامُحٍ وسلام.

لذلك اعْتَرف كثيرٌ من المؤرِّخين الغربيِّين بأنَّ أورُوبَّا لَمْ تَعرِف التسامُحَ إلا بعد مُخالَطَتِها للمسلمين.

وقال غوستاف لوبون، وأرنست رينان، ووِل ديورانت، وستانلي لين بول، وجاك ريسلر، إنَّ التاريخ لَم يَعرِف فاتِحاً أرْحَمَ مِن العرب.

والنَّمَوْذَجُ العربي الإسلامي للتسامُح تُمثِّله الآنَ دولةُ الإمارات العربية المتحدة التي يَتَعَايَش فيها نحوُ مائتي جنسية من مختلِف الأديان والأعراق. ولَم تَكْتَفِ الإمارات بذلك، فأنشأت وزارةً للتسامح ومؤسَّساتٍ أخرى مثل «منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة»، وأصدرت قانون مكافحة التمييز والكراهية (2015م)، وخَصَّصَت عام 2019م للتسامح، واسْتَضَافت «مؤتمر الأخُوَّة الإنسانية» (3 – 5 فبراير 2019م) الذي أصدَر «وثيقة الأخُوَّة الإنسانية».. وكلُّ ذلك لبِناء حُصُون مَنيعَة للتَّسامُح في أذهان البَشَر.
#بلا_حدود