الثلاثاء - 28 يناير 2020
الثلاثاء - 28 يناير 2020

الشرق الأوسط بلغة الجغرافيا السياسية

ساتوشي إيكوتشي
أستاذ في جامعة طوكيو، مفكر وأستاذ قسم الأديان والأمن العالمي في مركز أبحاث العلوم والتكنولوجيا المتقدمة (RCAST) ـ جامعة طوكيو. يشمل تخصصه السياسات الإسلامية والسياسة الإقليمية في الشرق الأوسط والعلاقات الدولية بين آسيا والشرق الأوسط.
ما هي أهمية الشرق الأوسط في السياسة الدولية؟، ولماذا يوجد فيه كثير من الصراعات؟.. هذا السؤال غير بريء، وإجابته هي: أن الشرق الأوسط هو إحدى المناطق الجيو ــ سياسية الأكثر أهمية في العالم.

لقد تنافست القوى العظمى فيما بينها لإحكام سيطرتها على الشرق الأوسط من وقت لآخر، واستجابت القوى المكونة لهذا الفضاء الاستراتيجي لهذه التدخلات، حتى أنها كانت في بعض الأحيان تجلب قوى خارجية طوعًا للتنافس مع الشركاء المحليين، ولنعرف مدى أهميته، يجب أن نعرف مصدر وجذور فكرته من خلال الاعتبارات الجيوسياسية.

هنا، نجد أن أول من تطرق لمفهوم «الشرق الأوسط» هو: ألفريد ثاير ماهان، المُنظر الجيوـ سياسي الرائد في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، في مقاله الذي نشر في مجلة بريطانية عام 1902، بمعنى أن هذا المفهوم في حد ذاته هو مفهوم جديد ومُحدث.


ويعتبر ماهان أحد ركائز مدرسة الجغرافيا السياسية، التي طورت نظرية القوة البحرية «Sea Power» في بريطانيا والولايات المتحدة، وهما قوتان بحريتان رائدتان على ضفتي المحيط الأطلسي.

أما مدرسة القوة الأرضية، التي ترتكز على عنصر اليابسة «Land Power»، والتي تم التنظير لها في أوروبا وروسيا، فترى أن الشرق الأوسط من أهم المناطق في العالم في الدراسات الجيوـ سياسية، وبالنسبة لكل من أنصار المدرستين فإن الهيمنة على الشرق الأوسط أمر لا غنى عنه.

فالموقع الجغرافي للشرق الأوسط، والذي يتوسط أوروبا وآسيا والعديد من «نقاط التقاطع» الأكثر أهمية في العالم، مثل: قناة السويس، ومضيق باب المندب، ومضيق هرمز، جعلته محط أطماع وتنافس بين القوى المهيمنة، ولهذا السبب بالذات، فإن النزاعات الداخلية والنزاعات الإقليمية في الشرق الأوسط يتم تدويلها بسهولة.

لنعد إلى التاريخ، ففي القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، تنافست بريطانيا وفرنسا وروسيا وألمانيا على السيطرة على الشرق الأوسط، وفي أواخر القرن العشرين، تنافست الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي حول هذا الفضاء الجيوـ سياسي، وبعد نهاية الحرب الباردة، أصبحت الولايات المتحدة القوة الرئيسة الوحيدة التي تؤثر فيه، وهذه الهيمنة هي أهم منبع من منابع الهيمنة العالمية الأمريكية.

من جهة أخرى لا تزال روسيا بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، تحاول جاهدة ملء الفراغ الذي أنتجه التراجع الأمريكي، بتوفير صواريخ S-400 لتركيا، لكسر الناتو، الذي يعد أهم أداة في يد الإدارة الأمريكية.

وفي ظل هذه التجاذبات، كيف ستشارك الصين - القوة العالمية الناشئة في القرن الحادي والعشرين - في الشرق الأوسط إذا واصلت توسعها تحت راية مبادرة الحزام أو ما يسمى بطريق الحرير الجديد؟ كل عيون العالم تراقب الشرق الأوسط منذ عقود، وإلى اليوم، وحتى هذه اللحظة لم يستطع أن يفلت من تجاذبات الجغرافيا السياسية.
#بلا_حدود