الاثنين - 27 مايو 2024
الاثنين - 27 مايو 2024

فلسطين الأخرى

في الزمن الصعب الذي نعيشه من دون أن نفهم كثيراً من أسراره، أتساءل أحياناً: ماذا يمكن لكاتب عربي، من المغرب الكبير، مشبع بفلسطين كما تلقاها منذ اللحظة الأولى، أن يفعل؟.. كيف يمكنه أن يكون فلسطينياً ولو قليلاً، بعمله وتعاطفه، وأكثر، بكتاباته؟.. هل يكتب رواية ليتخطى المسافات باللغة والمعاني المشبعة، كما يرفع الجزائري البسيط اليوم العلم الفلسطيني في كل حراكه الضخم فقط ليثبت للعالم بعفويته، أو على الأقل العالم الذي في رأسه، أن فلسطين ما زالت قضيته الأولى حتى ولو يئس من إخوة الدم والتاريخ؟.. في أعماقي، أحسد هؤلاء الشباب العفويين الذين لم يصبهم ما أصاب المثقف.

بالمقابل، لا يمكن لكاتب وصل إلى حالة إشباع قرائي وسياسي للحالة الفلسطينية أن يقبل أيضاً بما يفرض اليوم من حلول تعتبر فلسطين حالة منغصة، عليها أن تسير في ركب الخيارات الأمريكية، وربما الإسرائيلية، بمعنى أدق، يريد أن يكتب تاريخاً روائياً، ويقول في تلك اللحظة الصعبة التي لم ينتبه لها الآخرون، وهو يحلم على الأقل: لا رواية بدون تلك اللحظة الاستثنائية، التي تصنع الإبداع، وإلا فسيصبح الفعل الأدبي سيلاً من الكلمات المكررة.

في الرواية التاريخية معاناة كبيرة لا توصف.. الجهود المضنية تغيب وسط التاريخ نفسه واللغة المستعارة للتعبير عنه، لا بد من أن يكون هناك عنصر ما في هذا التاريخ جعل الهزائم تتكرر باستمرار، وفي حقب مختلفة، وبأشكال تكاد تكون متشابهة، وكأن الزمن لم يتغير، أو كأنه يتغير بالعودة إلى الوراء، أو ربما هناك نقطة في مساحة دائرية، كلما ابتعد عنها وجد نفسه فيها في دوامة تكاد تتحول إلى قدر لا يمكن تفاديه.


ثم عن أي فلسطين نتحدث؟.. فلسطين التاريخ كما عرفناه قبل 48؟، أم فلسطين المقاومة التي لم تتوقف أبداً؟ أم فلسطين الأمر الواقع؟.. حالات ثلاث تتحكم في تراجيدية الكتابة اليوم عن فلسطين.


فلسطين التاريخية تغيرت كثيراً منذ قرار التقسيم الذي صدر من الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29/‏11/‏1947، ورفضه العرب متّكلين على جيش إنقاذ عجز عن إنقاذ نفسه من هزيمة قاسية.

لم يعد هذا التاريخ موجوداً بعد أن نهبت إسرائيل فلسطين كلها، حتى ما سمي دولة فلسطين، لم يبق منه الشيء الكثير.. دولتان في بلاد واحدة: رام الله وغزة، ومستوطنات على مد البصر تأكل آلاف الهكتارات من الأراضي الفلسطينية الخصبة.

فلسطين المقاومة؟ بدأت تضمحل منذ القبول باتفاقيات أوسلو، وانتهت الانتفاضة الأولى والثانية، والانتفاضة الثالثة أصبحت صعبة بعد المتغيرات على الأرض.. ما يحدث في غزة مقاومة، لكنها معزولة ولا سند لها إلا الجسد الفلسطيني.

فلسطين الأمر الواقع؟ هي فلسطين اليوم، عرضة لكل عمليات الإفناء داخل اليأس العربي المعمم، إذن مع أية فلسطين يتعامل الكاتب العربي اليوم؟.. هل انغلقت سبل التحرر أم أن هذا المثقف لم يعد قادراً على إبداع فلسطين الأخرى؟.