الاحد - 26 مايو 2024
الاحد - 26 مايو 2024

الشعوب تريد الدولة أوَّلاً

ربما يمكننا القول، من حيث الواقع حالياً، إن ما حدث في تونس 2011م، وفي الجزائر 2019م، يعد تجربتين عربيتين ناضجتين، نسبياً، في التحول السياسي، فالإجراءات الحكومية والأمنية التي استوعبت فورة الشعب وثورته، والمناقشات العلنية لمواد الدستور الضابطة لحالة شغور منصب رئيس الجمهورية ومعالجة الفراغ السياسي، تمثلان نموذجاً مؤسسياً لمعالجة أخطر الأزمات السياسية التي يمكن أن تقع في أي بلد من بلدان العالم الثالث، هذا، بالطبع إذ قورنت أحداث تونس والجزائر بالحال التي آلت إليها مطالبات التغيير السياسي في كل من العراق وسوريا واليمن وليبيا.

تجربة الدولتين قامت على استيعاب الحالة الانفعالية للاحتجاجات الشعبية، التي تحولت في أغلب دول (التحول) العربي إلى حالة غرائزية، أخرجت من عباءتها العصابات الإرهابية، والخطابات الإقصائية، والمشاريع الإقليمية، وأدت في نهاية المطاف إلى سيلان شلالات الدم والمجازر، ولجوء ملايين من العرب خارج مدنهم وأوطانهم وضياعهم في البحر والمخيمات، وتكبد الدول خسائر بمليارات الدولارات، والأخطر من كل ذلك التسويغ للتدخل العسكري الخارجي.

الخطر البالغ الذي كشفت عنه أحداث 2011م هو انكشاف هشاشة هيكليّة الدولة العربية، وسهولة هدمها وانهيارها وانفراط عقد مؤسساتها.


ومن جهة أخرى تكشف، أيضاً، سهولة اختراق الدولة العربية، من قبل العديد من القوى الاقتصادية والحزبية والقبلية، بتشكيل مراكز قوى و(دولة عميقة) موازية للدولة الأصلية وذات تأثير كبير في مؤسسات الدولة.. الأمر الذي لا يؤدي مباشرة إلى تفكك هيكليّة الدولة، ولكنه يعوق تقدمها وتطورها وفقاً لطموحات الشعوب.


حين خرجت الجماهير العربية في نهايات عام 2010م ومطلع 2011م والتفت حول الشعار المشؤوم (الشعب يريد إسقاط النظام)، كان هناك لبس كبير بين مفاهيم: الحاكم، والحكومة، والنظام، والدولة، حيث وقفت بعض الدول عاجزة أمام هذا الشعار بسبب ضعف البنية التشريعية والتعديلات المتلاحقة لدستور الدولة، وعدم استعانة النظام بفقهاء محنكين لمواجهة هذا الإشكال، ووقفت جماعات كثيرة من النخب الثقافية في مقدمة الجماهير مذكية الحالة الانفعالية؛ لتصفي حساباتها هي الأخرى مع رموز النظام، فجرف التيار العاتي النظام مع مؤسسات الدولة مع الدولة بأكملها كما هو الحال في ليبيا مثلاً، حيث صارت ليبيا خارج حالة الدولة، ومن دون مؤسسات متماسكة.

التحول السياسي السلمي سمة حضارية متبادلة بين النظام والشعب، وهي نتيجة تحتاج لوقت وخبرة ووعي، والتجربة العربية الدامية أثبتت أن أهم ما يحتاج إليه المرء هو (الدولة)، وأهم ما يجب أن تحافظ عليه الشعوب هو الدولة، ومن ثمَّ كل شيء قابل للتحقق.