السبت - 14 ديسمبر 2019
السبت - 14 ديسمبر 2019

نغمة صينية

تعتبر الأمة الصينية من أقدم الأمم التي استعملت الموسيقى واهتمت بها، إلا أنها لم تستطع يوماً توسيع آفاقها أو تطويرها، وذلك بسبب صلابة أحكامها، وشدة تمسكها بعاداتها وتقاليدها، حيث إن معتقداتها الدينية وحياتها الاجتماعية لم تسمح لها بتغيير موسيقاها. وعلى الرغم من ذلك فقد نجح الصينيون في الاستفادة من قيودها، والاستثمار في حصارها، دون التخلص من أغلالها، والدليل أنهم استنبطوا منها العديد من النظريات الموسيقية، وأسسوا بها أهم القواعد الفنية، والأسس الأولية، والتي قد أثارت إعجاب الفيلسوف «الفارابي» ابن الأراضي العربية، الذي وصل من خلالها إلى أكثر من 1400 نغمة، فتراكمت فوقه نعم الله عليه نعمة فوق النعمة.

في حقيقة الأمر برعت بلاد الصين في مجالات عدة، خصوصاً في فن الموازين، كما اخترع شعبها الكثير من الآلات، التي استخدمت فنياً في جميع الحالات.

فقد عقدوا مبادئ أعمالهم وربطوا نوعيات ألحانهم، في شتى أمور حياتهم، مثلاً في التفريق بين الخير والشر والتمييز بين معاني الظلم والعدل، وأيضاً في تبيين أسباب الحب والبغض وشرح مظاهر الجنون والعقل، حتى إنهم اعتقدوا بالقلب والكيان والوجدان، إلى درجة التصديق والثقة والإيمان، بأنه إذا جاء إليهم الحظ ضاحكاً مبتسماً، فذلك دلالة ولا محالة على أنهم أحسنوا نغماً وترنيماً.


أمّا إذا أصابهم الغم وجاءهم حظهم عابساً متجهماً، فلا بد من أنهم «عزفوا» خطأً جسيماً، أو اقترفوا ذنباً عظيماً، فتشكَّلوا حزناً أليماً.

وهكذا اقترنت نغماتهم بالدين والتربية والأخلاق، والقيم والمبادئ في كل الآفاق، وهذا بالضبط ما ظهر خلال عملية الضبط، أي أثناء انشغالهم بتسمية أصوات سلمهم الموسيقي، المعروف لديهم آنذاك بالسلم الخماسي، وذلك قبل أن يتطوّر إلى حاله السباعي، في وقتنا الحالي الحديث والعصري.
#بلا_حدود