السبت - 14 ديسمبر 2019
السبت - 14 ديسمبر 2019

الصراع العالمي.. أصله فكري وحضاري

خالد الروسان
كاتب صحفي وباحث سياسي أردني، مهتم بالشؤون السياسية الدولية والعربية وقضايا الفكر والصراع، له كتابات في هذه المجالات منشورة في عدد من الصحف والمجلات العربية
في رده على صحافي سأله: لماذا تستمر في ارتداء بزتك العسكرية، مع أن زمن الثورات والتحرر والاستعمار قد انتهى؟.. أجاب الرئيس الكوبى الراحل فيدل كاسترو:«دعني أنّا أسألك هذا السؤال عندما قابلت البابا، هل سألته لماذا يستمر في ارتداء جبته البيضاء؟.. هل العالم قائم على السلام وبلا صراعات؟» وعندما قدّم فرانسيس فوكوياما أطروحته في كتابه (نهاية التاريخ والإنسان الأخير)، معتبراً أنّ التاريخ السياسي للعالم قد انتهى فليس للدول اليوم إلاّ مسعى واحد وهو دخول النادي الديمقراطي، ألّف صموئيل هنتغنتون كتابه (صراع الحضارات) معتبرا أنّ الصراع حضاري وفكري، ولن ينتهي بالشكل الذي نظّر له فوكوياما.

وفوق هذا وذاك يقول الحق عز وجل في كتابه العزيز: «وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ».

من ناحية أخرى يرى البعض أنّ نهاية الاتحاد السوفياتي كانت بسبب انتهاء نظريته، فالحضارات تنتهي فكرياً، والأسباب العسكرية والاقتصادية والاستراتيجية هي نتائج تعلن عن هذا الانتهاء الفكري والحضاري الحاضن لها.


مسألة الفكر والعقيدة والثقافة هي مخزون نفسي وتاريخي، وليست قضية عارضة تنشأ بأسباب وسياقات ومعطيات معينة، إنّما هي متأصلة، موجودة ومخّزنة، قد تساعد ظروف وأجواء ما على تحريكها وإيقاظها، لكنّها متشكلة ومتبلورة ومؤسسة.

ماذا عن الولايات المتحدة في هذا السياق؟.. إذا دققنا النظر في السنوات الأخيرة نلحظ وجود نقاش هائل داخلها حول أزمات داخلية مصيرية تواجهها «كحضارة» وككيان سياسي وكهوية. معظم طواقم الإنقاذ السياسي لأزمات أمريكا هم أصحاب بضاعة دينية فكرية، بدءاً من المحافظين الجدد والتحالف المسيحي الصهيوني، وانتهاء بنموذج ترامب، الذي يزعم التكتل والتجمع الواقف خلفه والمساند له في الدولة العميقة، أنّه آن الأوان لتصحيح المسار وأنّهم قادرون على ذلك.

المُلاحظ أن الرئيس دونالد ترامب منذ استلامه للسلطة، وهو يشتغل على الموضوع الفكري والثقافي كخلفية سياسية له، بينما هناك أصوات كثيرة في الداخل تدعو إلى مناقشة مدى قدرة النظام الرأسمالي على الاستمرار، وهو المتسبب بالكم الهائل من أزمات أمريكا والغرب، لكن يبدو أنّه أجّل واستعيض عنه كخطة إنقاذ بإلقاء اللوم في هذه الأزمات على المهاجرين وثقافاتهم، وعلى الخارج والعالم، وكذلك يفعل الأوروبيون.

الصراع فكري وحضاري وثقافي، وما السياسة والعسكرة والاستراتيجية، والجيوـ سياسية والدعم اللوجستي، والاقتصاد والعلم والتقانة، إلاّ أدوات وأسلحة وأوراق لهذا الصراع.
#بلا_حدود