الأربعاء - 29 يناير 2020
الأربعاء - 29 يناير 2020

العرب.. وغياب القوة الرائدة

ساتوشي إيكوتشي
أستاذ في جامعة طوكيو، مفكر وأستاذ قسم الأديان والأمن العالمي في مركز أبحاث العلوم والتكنولوجيا المتقدمة (RCAST) ـ جامعة طوكيو. يشمل تخصصه السياسات الإسلامية والسياسة الإقليمية في الشرق الأوسط والعلاقات الدولية بين آسيا والشرق الأوسط.
هناك عامل مهم يتعلق بالسياسة الدولية لمنطقة الشرق الأوسط يكمن في الضعف الذي يعتري الحكم وحيد القطب من طرف الولايات المتحدة، حيث لا تزال هذه الأخيرة القوة العالمية العظمى ذات التأثير الذي لا يجارى في الشرق الأوسط، إلا أن هناك اعتقادا سائداً بين الدول الشرق أوسطية بأنها بدأت بالتراجع عن هذه المنطقة.

وقد أدى ذلك إلى تزايد نفوذ بعض الدول التي سارعت لملء هذا الفراغ وخاصة تركيا وإيران اللتين تسجلان تزايداً مطرداً لنفوذهما في المنطقة، كما تم تأسيس إسرائيل حتى تكون القوة الأكثر فاعلية وتأثيراً، مدعومة بإمكانات عسكرية واستخباراتية وتكنولوجية متطورة.

وتكمن المشكلة في عدم وجود دولة عربية منفردة صالحة لأن تلعب دور القوة الإقليمية الرائدة، هذا في وقت يشغل الشعب العربي الغالبية العظمى من مساحة منطقة الشرق الأوسط، ويتفوق أيضاً من حيث عدد الدول العربية التي الموجودة في المنطقة، ومع ذلك، لا توجد دولة رائدة يمكنها أن تقود الدول العربية الأخرى لتحقيق التوازن المطلوب مع الضغوط السياسية التي تخلقها الدول غير العربية.


ومن الناحية التاريخية، احتفظت مصر لفترة طويلة بموقعها كقوة رائدة في العالم العربي، ولكنها فقدت هذه القوة الريادية في منطقة الشرق الأوسط، وأصبحت أفريقيا تشكل الاهتمام الأكبر في الدبلوماسية المصرية الراهنة، وفي الخطاب السياسي المصري.

وفي الماضي، كانت سوريا تتنافس مع مصر في لعب دور القوة الإقليمية الأكثر تأثيراً في العالم العربي، ولكن، وبعد ما يسمى«الانتفاضات» العربية، غرقت في أتون حرب أهلية مدمرة، ولم يعد النظام القائم فيها قادراً على الصمود لولا الدعم الإيراني والروسي.

وكان العراق مرشحاً لأن يلعب دور القوة الإقليمية العربية، ولكن بعد غزوه للكويت ومعاناته من حرب الخليج، عانى من العقوبات الأمريكية ووقع في دوامة الاقتتال الداخلي، وغاب عن الساحة السياسية العربية.

ومع غياب هذه الدول ذات القوة الفعالة، بدأت المملكة العربية السعودية بالبروز كقوة إقليمية جديدة ليس بسبب مصادرها من الطاقة فحسب، بل من النواحي القيادية العسكرية والسياسية، وهناك دول تبذل جهوداً لدعم هذا الصعود السعودي حتى تتحول السعودية إلى قوة إقليمية قادرة على التصدي للنفوذ الإيراني المتزايد في المنطقة.

والمملكة العربية السعودية هي أكبر مستورد للأسلحة في العالم وفقاً لإحصاءات عام 2017، إلا أن القوة العسكرية لا تقاس بمدى الإنفاق على شراء أحدث الأسلحة، وذلك لأن عدد سكان المملكة البالغ 33 مليون نسمة غير كافٍ لتحقيق التوازن العسكري المفقود مع إيران وتركيا، لأن عدد السكان في كل من البلدين يزيد على 80 مليوناً.

ومؤخراً، انسحبت مصر من محاولات الولايات المتحدة لتشكيل حلف«الناتو العربي»، ولا نعرف السبب الذي دفعها لاتخاذ هذا القرار، أو ما إذا كانت مستعدة للتراجع عنه، ونحن نأمل بإطلاق محادثات فعالة تضمن الإبقاء على العلاقات القوية بين الدول العربية المهمة.
#بلا_حدود