الجمعة - 24 مايو 2024
الجمعة - 24 مايو 2024

السودان.. والدولة المدنيّة

لا يزال المنتفضون السودانيون يملؤون الساحات والشوارع، والمعالجات التي قام بها المجلس العسكري لم ترق للمحتجين، فمطالبهم بعد تمكنهم من إسقاط الرئيس السابق عمر البشير صارت تتمحور حول تشكيل حكومة مدنية تتولى إدارة البلاد في المرحلة الانتقالية، تمهيداً لتشكيل حكومة جديدة ذات طابع مدني.

قد يستغرب البعض إذا عرف أن ليس ثمة مصطلح في السياسة يعرف بــ«دولة مدنية»، هناك مصطلح «الدولة /‏‏ الدولة الحديثة» و«المجتمع المدني»، لذلك فمفهوم الدولة المدنية الذي تفجر وشاع في المنطقة العربية إبان أحداث ما سمي «ربيعاً عربياً» هو مصطلح معبأ بدلالات الهواجس العربية وتجاربها السياسية المأزومة، واحدة من الدلالات الخاطئة التي تمكن الإسلام السياسي من ضخها في مفهوم الدولة المدنية أنها دولة لا تحكمها قيادات تخرجت من المؤسسة العسكرية، وكان الغرض من ذلك تمرير مشروع تفكيك الجيوش العربية التاريخية وتغيير عقيدتها القتالية واستبدالها بميليشيا متطرفة.

الجيش أحد أهم مؤسسات (الدولة) والمسؤول عن حماية وحدتها والحفاظ على حدودها واستقلالها، وانشغال الجماهير السودانية بمواجهة حكم العسكر تحت ضغط إرث دولة البشير، يجب أن لا يجرفهم بعيداً عن المفاهيم المدنية التي يجب أن تتأسس عليها الدولة الحديثة التي يطمحون إلى بنائها، ومنها تحييد (المقدس) عن إطار الحكم السياسي وآليات اشتغاله، وهو جزء من تركيبة حكم البشير، إذ أدت الشعارات الإسلاموية التي رفعها النظام إلى انهيار الاقتصادي السوداني، وإلى مواجهات عنصرية داخل السودان، وتطبيق أنظمة متطرفة تعادي الحريات الشخصية والعامة، وتعادي الكثير من المكونات الإثنية والعرقية في السودان، وانتهت الحالة الإسلاموية بخسارة السودان نصف مساحته وثلاثة أرباع ثروته.


في تجربة حكم حزب العدالة والتنمية لتركيا، رفعت شعارات تعادي المؤسسة العسكرية، ثم تحولت التجربة الإسلاموية في تركيا إلى ما يشبه دكتاتورية الحزب التي تؤسس لدكتاتورية الفرد، وفي السودان وتركيا كشفت تجربة الإسلام السياسي عن افتقاده للمشروع السياسي والاقتصادي، واعتماده على حشد وجدان الجماهير وإيهامهم لعشرات السنوات بالإنجازات القادمة، التي تواجه أعداء وحاقدين من حدب وصوب، وهذا الاتجاه معاكس لشروط الدولة الديمقراطية! الفخ الذي يقع فيه المحتجون هو تركيزهم على (شكل) الدولة و(شكل) النظام، والتكاسل عن تأسيس البنية التشريعية للدولة وحمايتها، فالدولة الحديثة هي دولة تمثل كل أطياف الشعب، وهي دولة دستور ومؤسسات دستورية، ودولة قانون يسري على الجميع دون تمييز ودون تجاوز.. إنها دولة حقوق إنسان تحترم الفردية وتتجاوز تصورات الهويات المحدودة في القبيلة واللغة والدين إلى مفاهيم الأمة والإنسانية.