السبت - 25 يناير 2020
السبت - 25 يناير 2020

أوروبا لم تعد مستقلة

خالد الروسان
كاتب صحفي وباحث سياسي أردني، مهتم بالشؤون السياسية الدولية والعربية وقضايا الفكر والصراع، له كتابات في هذه المجالات منشورة في عدد من الصحف والمجلات العربية
من المعروف أنّ أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية تقاسم التأثير فيها والنفوذ قوتان عالميتان، هما: الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي ضمن نظام دولي عرف بنظام ثنائي القطبية، واستمر الأمر حتى انهار السوفيات ومعهم هذا النظام، ليظهر نظام أحادي القوة ــ أمريكي ـ كنظام دولي جديد ساد منذ ذلك الحين حتى الآن.

وشرعت أوروبا تبحث بعد ذلك عن نظام وتكتل، وصيغة قارية تعطي القارة استقلالها، فظهر ما يعرف بمشروع الاتحاد الأوروبي عام 1993، كمحاولة للتقليل من تأثير القوى الدولية وعلى رأسها أمريكا وروسيا، ولكي يكون لها قرارها المستقل ومشروعها الدولي الخاص.

لكن الملاحظ اليوم أنّ هذا الحلم والمشروع قد بدأ يتراجع، لا بل قد يتعرض للتفكيك والتدخلات الخارجية حيث بدت للعيان عدة متغيرات جديدة ربما لم تكن في حسابات الأوروبيين منها: أولاًـ تراجع الولايات المتحدة ــ مع وصول دونالد ترامب ــ عن صيغة التحالف الاستراتيجي والسياسي والاقتصادي القائم مع أوروبا، وبروز عدة إشكاليات وقضايا وخلافات مصيرية بين الطرفين في ملفات كثيرة.


ثانياً ـ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي فيما يعرف بالبريكسيت، حيث يتداول البعض أنّ أمريكا هي من أوعز لبريطانيا بالخروج، وهذا سيكون أمراً حاسماً في بقاء صيغة الاتحاد.

ثالثاً ـ الصحوة الروسية الأخيرة، حيث اتضح حصول الكثير من التدخلات الروسية المباشرة وغير المباشرة في مستقبل القارة العجوز، من خلال ملفات كثيرة منها: الخلاف حول دخول بعض دول الاتحاد السوفياتي المنحل في الاتحاد الأوروبي، مروراً بملف الطاقة، وحتى قضايا داخلية وإقليمية وقارية مختلفة.

رابعاً ـ التوجه الصيني تجاه القارة الأوروبية، حيث كان مشروع الصين العالمي المعروف بمبادرة (الحزام والطريق) أو طريق بكين – لندن، أحد أهم مشاريع الغزو الصيني للقارة الأوروبية، عداك عن نية العملاق الصيني الاستحواذ على كثير من الشركات والمؤسسات الأوروبية، كما يحدث في إيطاليا والبرتغال، وقد لاقت الاتفاقيات الصينية الإيطالية الأخيرة هجوماً واعتراضاً من قبل دول الاتحاد.

هذه المتغيرات جميعها تعني أنّ ثمة قوى دولية قد بدأت بالفعل التدخل في القرار وفي الداخل الأوروبي، والتأثير في مشروع اتحادها، ليتم بعدها القول: إنّ أوروبا لم تعد مستقلة في قرارها، وفي تقرير مستقبلها، وشكل العلاقة بين أعضاء اتحادها، وهذه حقيقة من المتغيرات الجديدة في النظام الدولي السائد اليوم.
#بلا_حدود