الأربعاء - 29 مايو 2024
الأربعاء - 29 مايو 2024

ذاكرة نوتردام

كتب فيكتور هوغو روايته الشهيرة «أحدب نوتردام» في عام 1831.. في الوقت الذي كانت في كاتدرائية نوتردام أشبه بالمكان المهجور، ولعل هذا الهامش هو الأمر نفسه الذي قد أغرى هوغو ليكتب ذلك العمل المتشابك والمليء بالأفكار في مساحة مكَّنت من تلك الكاتدرائية، لأن تكون بطلاً من أبطال تلك الحكاية إلى جانب كوازيمودو الأحدب والغجرية.
لقد حول هوغو المكان إلى كائن حيوي مكنه من أن يمتد لأكثر من مجرد مكان في حكاية، وهو ما أعاد الاعتبار للكاتدرائية لاحقاً بعد الإقبال الكبير على الكتاب في وقتها وتحولها من رواية إلى فلم سينمائي وآخر كرتوني نقل أبعاد الكلمة المقروءة إلى عوالم بصرية رسختها في الذاكرة الجمعية التراكمية منذ القرن البعيد نسبياً، وحتى يومنا هذا بكل ما فيه من حكايات وأماكن.
أرَّخ الإنسان عالمه عن طريق الحكاية، صنعها وصنعته، وفي الوقت الذي كان فيه يعتقد أنه يبنيها ويؤهلها بملكاته التي طورها، كانت هي تقيه من التلف، تحميه من الموت الفعلي، موت الذاكرة وموته في التاريخ.. ومن هنا فإن الحزن الذي لف كثراً وهم يشاهدون ذلك الحريق الضخم الذي راح يعصف بأحد أمكنة الذاكرة، وعلى تنوع الاعتبارات ووجهات النظر، لم يكن مجرد تعلق بمعلم سياحي شهير، بقدر ما هو شعور بتفكك جزء من أجزاء الذاكرة الجمعية للحكاية، هو المكان في الذاكرة الإبداعية أكثر من كونه مكان العبور اليومي والصور السياحية السريعة، والحادثة بمجملها من جانب آخر وبما انطوت عليه من أسى هي شاهدة على عنصرنا المؤقت، وأننا في الرسوخ المادي للأشياء والأشخاص نختبر حالة من الوهم الدائم، فالمادة هي للتحول الأزلي.. والراسخ هو المعنى غير الملموس، بكل ما يحتمله الأمر من غرائبية وإرباك ليس أمام الإنسان إلا أن يمرن نفسه على قبوله.