الأربعاء - 29 يناير 2020
الأربعاء - 29 يناير 2020

التقويم الجديد.. آخر سلطات إمبراطور اليابان

ساتوشي إيكوتشي
أستاذ في جامعة طوكيو، مفكر وأستاذ قسم الأديان والأمن العالمي في مركز أبحاث العلوم والتكنولوجيا المتقدمة (RCAST) ـ جامعة طوكيو. يشمل تخصصه السياسات الإسلامية والسياسة الإقليمية في الشرق الأوسط والعلاقات الدولية بين آسيا والشرق الأوسط.
في اليوم الأول من شهر مايو الجاري، دخلت اليابان عهداً جديداً عندما بدأ العمل بالتقويم الإمبراطوري الذي يدعى «رايوا» Reiwa، وتزامن ذلك مع تنازل الإمبراطور السابق «أكيهيتو» عن عرشه لابنه «ناروهيتو» ـ بقراره الشخصي بإحالة نفسه على التقاعد ــ بعد أن بقي في منصبه منذ عام 1989.

ويُعتبر الإمبراطور في اليابان رمزاً للوحدة الوطنية، وهو لا يتمتع بأية سلطة سياسية، ولا يُسمح له بالتدخل في آلية صنع القرار السياسي، ويمكن للقراء العرب أن يفهموا الأمر بطريقة أسهل بالإشارة إلى أن الأمر هنا شبيه بالسلطة الروحية التي كان يحتفظ بها الخليفة لنفسه خلال معظم عهود التاريخ الإسلامي، بعد أن يعهد بكل السلطات السياسية والعسكرية للسلطان أو الأمير.

ولا يمتلك إمبراطور اليابان الحق حتى في الاستقالة إلا عندما يتخذ قراره الشخصي بالإحالة إلى التقاعد بسبب تقدمه في السنّ، وتكون الموافقة على استقالته مشروطة بموافقة البرلمان والحكومة اليابانية، ومن المعروف أن سلطة الإمبراطور مقيّدة بموجب النصوص الدستورية.


ويصادف الثالث من شهر مايو «عيد الدستور»Constitution Day في اليابان، التي وضعت دستورها الجديد في عام 1946، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية مباشرة، حيث كانت اليابان واقعة تحت الاحتلال الأمريكي والقوات الحليفة، و قد حُظي بتأييد الشعب آنذاك، لكنه بقي من دون مراجعة أو تعديل حتى الآن، ويكرّس هذا الدستور سيادة الشعب، ويعرّف اليابان بأنه بلد ديموقراطي، ويحدّد سلطة الإمبراطور بأنه يمثّل رمزاً للوحدة الوطنية بعد أن تم تجريده من معظم السلطات السياسية.

ومنذ نهاية القرن الثاني عشر، آلت السلطة إلى المحاربين اليابانيين الأشدّاء «الساموراي»، وأصبح الإمبراطور في عهدهم يتمتع بمكانته الخاصة كمصدر للسلطات. وبعد ذلك، بات دوره الأساسي يقتصر على الوظيفة الكهنوتية لخدمة أتباع الديانة «الشنتويّة» Shintoism، ولا يكون هو ذاته موضوعاً للصلوات، ولكنّه يستأثر بدور الشخص الأول الذي يقيم الصلاة. وفي بعض الأحيان، يرعى طقوس الصلاة في غياب أي مصلّ آخر، عندما تمر الأمة بالأزمات الطارئة.

وعندما انطلقت عملية البناء والإصلاح، التي تعرف باسم «إصلاح مايجي»، عام 1868، كان الإمبراطور يتحكم بمقاليد السلطة السياسية، وهو الحاكم المطلق المسؤول عن اتخاذ القرارات العسكرية وإدارة المستعمرات، ولكنّ هذه الحال لم تدُم إلا لفترة استثنائية قصيرة جداً، كما تراجع دوره بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ليصبح رئيساً للكهنوت في اليابان كله، وبقي محتفظاً بهذا المنصب حتى الآن، فهو يستأثر بامتياز حصري حيث يتكفل بوضع «التقويم الإمبراطوري»، بالرغم من أن اتخاذ القرار فيما يتعلق بتسمية التقويم الجديد لا يتم إلا بإشراف الحكومة وموافقتها.

وتعتمد اليابان في العصر الحديث تقويمين على التوازي، الأول: الميلادي المسيحي، الذي أصبح مرجعاً عالمياً، والثاني: «التقويم الإمبراطوري» الذي يبدأ من اليوم الأول لتنصيب الإمبراطور الجديد، وحتى نسهّل الأمر على القارئ العربي مرة أخرى، فإننا نشبّه ذلك بالمقارنة بين التقويمين الهجري والميلادي الشائعين في العالم العربي.

ومع اعتلاء الإمبراطور الجديد عرش اليابان، بدأ العام الأول من «تقويم رايوا الجديد»، وأصبح اليابانيون جميعاً منشغلين بإعادة ترتيب أمورهم على أساسه، وتبقى عملية وضع هذا التقويم واحدة من السلطات القليلة التي يحتفظ بها الإمبراطور الياباني.
#بلا_حدود