الثلاثاء - 28 يناير 2020
الثلاثاء - 28 يناير 2020

رمضان.. عندما يودّعنا!

د. مجيب الرحمن
دكتور في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة جواهر لال نهرو ـ نيو دلهي، له مؤلفات وترجمات ومقالات منشورة في صحف عربية وغيرها من الجرائد بالهند.
ينبري المسلمون عادةً في شتّى أقطار العالم لاستقبال شهر رمضان المبارك بأثواب الصّلاح والخير والتّقوى والبذل والعطاء والمحبّة والعبادة، إلى درجة جعلتْ هذا الشّهر يغدو نموذجاً حيّاً وعمليّاً لما يمكن أن يكون عليه المسلم والمجتمع الإسلامي في صورة نموذجيّة خيّرة للتّكافل، واستقبال الحياة بأجمل صور تمثّل الإسلام وأخلاقه وقيمه وروحانياته.

ولطالما ينجح المسلمون الصّائمون في خلق هذا النّموذج الإيجابيّ للمسلم المسالم الخيّر الباذل العابد الصّالح، الذي ينقطع للعبادة والصّالحات وإصلاح ذات البين والصّدقة ووصل الأقارب والإحسان للفقراء والمساكين والأقلّ حظّاً من البشر، فيتحوّل هذا الشّهر إلى منظومة إنسانيّة تكافليّة عملاقة تجمع المسلمين على قلب رجل واحد، يتعامل مع الحياة بعقليّة الخيّر الذي سكن الشّهر في قلبه بجميع قيمه وفلسفته ومنطلقاته.

ولكن العجيب كل العجاب أنّ هذا التّمثّل لهذا الشّهر سرعان ما يرحل مع رحيل هذا الشّهر؛ فنجد المسلمين في الغالبيّة السّاحقة منهم ـ إلاّ من رحم ربي ـ يخلعون آداب هذا الشّهر ودروسه و أخلاقياته بمجرّد انقضائه، وينسون ذلك النّموذج الذي خلقه الشّهر فيهم، ولهم، ويرحل التّراحم والتّعاون والتّعاضد والصّلاح والتّعبّد والتّكافل مع رحيل هذا الشّهر، ولا يبقى منه إلاّ بعض ذكرى، وملابس عيد وحلوى وسكاكر، وانتظار لموعد قدومه في العام المقبل.


وهذا حال مؤسف يشي صراحة بأنّ الفلسفة الحقيقيّة لهذا الشّهر قد غابت عن معظم المسلمين؛ فهذا الشّهر ليس شهراً واحداً للعبادة والصّلاح والخير في كلّ عام، بل هو شهر نموذج للأشهر جميعها، وما فيه من أخلاقيات وتربيّة وتهذيب لنفس المسلم ما هو إلاّ إضاءة على ما يجب أن تكون عليه الأمور في سائر أوقات المسلم وأزمانه.

وغياب هذا الإدراك لحقيقة هذا الشّهر يضيّع على المسلم الوصول إلى الهدف من هذا الشّهر، الذي أراده الله ليكون نبراساً للمسلمين في سائر أزمانهم ومواقيتهم وحيواتهم.

ومن هذا المنطلق يغدو من الواجب الملحّ على الأسرة والوالدين والمربين أن يضطلعوا بدورهم الحيوي والمهم في تربية النّشء على فلسفة رمضان، التي يجب أن تتّسع لتكون فلسفة حياة وأسلوب معيشة وتفكير وسلوك ونقاء؛ لتحقيق الهدف الأسمى من هذا الشّهر، وهو أن يكون أنموذجاً معيشاً للأشهر جميعها في حياة المسلمين في كلّ مكان وزمان، وعليه يجب علينا نحن المسلمين أن نعيش شهر رمضان المبارك كدورة تدريبية لحياة المسلم المثالية التي اختارها الله لخير أمة في الأرض.
#بلا_حدود