الثلاثاء - 28 يناير 2020
الثلاثاء - 28 يناير 2020

الكثرة «كشرة».. والأغلبية غبية!

محمد أبوكريشة
مدير عام تحرير صحيفة الجمهورية المصرية ومستشار دار التحرير للطبع والنشر في مصر وكاتب صحافي في عدة صحف مصرية وعربية
أرى، وقد لا أكون على حق، أن إجماع الأمة أو إجماع العلماء سقط تماماً كمصدر من مصادر التشريع الأربعة؛ القرآن والسنة والإجماع والقياس.. وربما سقط القياس أيضاً، كما أن الإجماع لم يعد صالحاً كمصدر أو مرجعية للقرار أو التشريع الوضعي وهو ما يسمى أحياناً العرف، إذ لم يعد هناك عرف سائد وثابت يمكن التعويل عليه، لذلك أرى أيضاً أن نظام الانتخابات لا يصلح للتطبيق في هذه الأمة، والفوز بالأغلبية أو الإجماع لم يعد مؤشراً على صلاحية الفائز وعدم صلاحية الخاسر، فالأمة العربية تحكمها وتسيطر عليها ثقافة القطيع ومنطق الإمعات.

والإجماع والأغلبية الآن مصنوعان في معامل الاستخبارات و«السوشيال ميديا» والآلة الدعائية الضخمة، ومولودان بالتلقيح الصناعي أو بالإخصاب المجهري، وليسا مولودين بحمل طبيعي، وأصبح من السهل جداً أن يجمع الناس في أمتي على الباطل، لأن الناس كما قال أمير الشعراء أحمد شوقي: «ببغاء عقله في أذنيه».. ولدي عادة أو قناعة لم تخطئ أبداً، وهي أنني أتجنب دوماً كل ما عليه إقبال في الأفلام والأغاني والكتب والسلع، لأن الإقبال في أمتي على الرديء والعزوف عن الجيد.

ونحن في أمة العرب نقلب الصورة فنمدح الكثرة ونذم القلة، ونقول: «القاعدة العريضة بخير، والأغلبية واعية، والقلة عميلة ومأجورة»، بينما الله سبحانه وتعالي ذمّ في القرآن الكريم الكثرة وأثنى على القلة، وورد في غير موضع أن أكثر الناس لا يعقلون، ولا يفقهون، ولا يعلمون، ولا يؤمنون، ولا يشكرون، وورد أيضاً «وقليل من عبادي الشكور»، و«إلا ما رحم ربي»، «وقليل ما هم»، «كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله».. ونحن نفخر بما نسميه المد الديني وكثرة المتدينين، وأنا أزعم أنه مد نفاقي بتدين شكلي، وكثرة كغثاء السيل، وعندما تحدث القرآن الكريم عن السابقين المقربين، قال إنهم «ثلة من الأولين وقليل من الآخرين».


كل كثير يفقد قيمته ومعناه، مثل كثرة المناصب بلا اختصاصات، وكثرة الجوائز، حتى إن تسعين في المئة من العرب حاصلون على جوائز، وهناك كثرة اللجان الرئيسة والفرعية والمنبثقة، وتقصي الحقائق، والاستماع، وكثرة الاجتماعات، وكثرة الكلام وقلة الفعل.

وإذا غضب الله تعالى على قوم أعطاهم كثرة الجدل وقلَّة العمل، وكثرة فصائل المعارضة، وكثرة الجماعات التي تسمي نفسها إسلامية، ولا أحد يقول جديداً، وكما قال كعب بن زهير:

ما أرانا نقولُ إلاَّ رجيعاً .. ومعاداً من قولنا مكرورا

ففي أمة العرب.. الكثرة «كشرة» والأغلبية غبية!.
#بلا_حدود