الخميس - 20 يونيو 2024
الخميس - 20 يونيو 2024

في حضرة الإمام الشعراوي .. كانت لنا أيام

كان من حظي أن عرفت فضيلة الإمام الشيخ محمد متولي الشعراوي منذ سنوات .. كنت في أول زيارة لي إلى المملكة العربية السعودية، وفى هذه الأرض المباركة التقيته للمرة الأولى على عشاء في منزل د.محمد عبده يماني رحمة الله عليه، وكان وزيراً للإعلام آنذاك.

كانت صحبة جميلة في تلك الليلة .. د.عبدالعزيز خوجة الشاعر والسفير والوزير، والإذاعي الكبير أحمد فراج رحمة الله عليه ـ وكان يومها في قمة مجده الأدبي كواحد من رواد العمل الإذاعي ـ وكانت هناك نخبة من الكتّاب والشعراء السعوديين.. كان هذا هو اللقاء الأول بيني وبين فضيلة الشيخ، وأذكر يومها أن طلب مني الحاضرون أن ألقي بعض شعري، وفوجئت بالشيخ يطلب قصيدة يعرفها تحمل عنوان «في عينيك عنواني»، وترددت لأنها قصيدة عاطفية، وقلت: يا مولانا أنا لم أقرأ قصائد حب في حياتي أمام والدي رحمة الله عليه حياء وخجلاً.. فقال: ولكن ستقرأ أمامي .. كان في القصيدة بيت أشعر فيه بالخجل .. يقول: أمات الحب عشاقاً وحبك أنت أحياني فقلت هواك إيماني ومغفرتي وعصياني، وسمع الشيخ ما تلوت من الشعر، وكانت بداية علاقة امتدت بعد ذلك سنوات طويلة.

كنت أزوره كثيراً في بيته على ترعة المنصورية، وكان مزاراً لكل محبيه وما أكثرهم، وأذكر يوماً أنني كتبت مقالاً في جريدة الأهرام انتقدت فيه بشدة وعنف الرئيس الأمريكي الأسبق «ريتشارد نيكسون» حول كتابه الشهير، الذي ترجم إلى العربية بعناوين عدة، منها: «انتهزوا الفرص»، و«الفرصة السانحة».. كان الكتاب صيحة تحذير للغرب من أن الإسلام هو الخطر المقبل بعد أن انتهت قصة الشيوعية، وأن على العالم أن ينتظر هذا العدو القادم من العصور القديمة ليهدد حضارة الغرب.


اتصل بي الشيخ الشعراوي في الصباح وأبدى إعجابه الشديد بالمقال ودعاني إلى العشاء في بيته بالمنصورية.. في هذه الليلة أفاض الأمام وهو يتحدث عن علاقة الغرب بالإسلام، وأن المسلمين أمامهم تحديات كثيرة، وكان يرى أنه علينا المحافظة على ثوابتنا، وفى الوقت نفسه أن نسعى لكي نلحق بالعصر، لأن مسيرة التقدم لا تنتظر أحداً، وأن الفارق الحضاري هو الذى سيحدد صورة الصراع المقبل، وأن لدينا أشياء كثيرة يجب أن نحافظ عليها في ثوابتنا وتقاليدنا وعلاقاتنا الإنسانية، التي تتسم بالرحمة كما أرشدنا الإسلام ديننا الحنيف.


لم يكن الإمام الشعراوي متطرفاً في رؤاه الدينية والفكرية، وأكبر دليل على ذلك أنه كتب قصيدة شعر مدح فيها عميد الأدب العربي طه حسين، وحين مرض توفيق الحكيم كان يزوره كل يوم في المستشفى، ويتحدث معه في كل القضايا الدينية والدنيوية، وكان عفيفاً في حواره وأسلوبه ولغته ولم يهبط في حواراته أبداً، رغم أن هناك من تجاوز معه من بعض الكتّاب، واتهمه بما ليس فيه.. كانت جماهيرية الشيخ الشعراوي تفتح أبواباً كثيرة للغيرة والحقد لدى بعض المشاهير.. ولكنه لم يكن يعبأ بذلك كله.. ولا يزال حديثنا عن أيام فى حضرة الإمام.