الاثنين - 24 يونيو 2024
الاثنين - 24 يونيو 2024

إقالة العثرات

كثير من تعثر يوماً في قرار أو قول أو فعل، وكانت أمنيته أن يُغفر له ذنبه وأن يُصفح عنه وأن يساعده أخوه على العودة لحياته قبل زلته تلك أو عثرته، تضيق الأرض بما رحبت على صاحب العثرة ويتطلع إلى طوق نجاة ينجيه ويعيد إليه روحه التي سُلِبت، ولما كانت إقالة العثرات حياة للنفس بعد مواتها استحق من يتصف بهذا الخلق القويم أن يقيله الله تعالى من عثراته في الدنيا والآخرة، تأمل حديث النبي الكريم: «مِنْ أَقَالَ مُسْلِمًا، أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ»، جاءت الإقالة شاملة عامة لكل شيء لذا حذف مفعولها، وكان الجزاء أن يقيله الله تعالى دون تخصيص لعثرة بعينها دون أخرى لتشمل الدنيا والآخرة معاً؛ إعظاماً للمثوبة والأجر، وإقالة العثرة معناه: الصفح والتجاوز ومد اليد بالعون ومساعدة المتعثر على تجاوز محنته، وكما جاء في الأثر وصح في بعض الروايات منسوباً لرسولنا صلى الله عليه وسلم: «لَا حَلِيمَ إِلَّا ذُو عَثْرَةٍ، وَلَا حَكِيمَ إِلَّا ذُو تَجْرِبَةٍ» أي: أنك لن تجد حليماً إلا وقد تعثر من قبل، ولا حكيماً إلا وقد أحكمته التجارب التي عاشها وعاناها، وإقالة العثرات ليس إقراراً بالباطل بل هو إحياء لإنسان يستنقذك ويطلب معونتك، ولا مانع من توجيهه بعد قبول أسفه وندمه، وعُدَّ من لا يُقيلُ عثرةً ولا يقبلُ عذراً من شرار الناس عند الله كما في الحديث، وجاءت مبشرات كثيرة ومحفزات للتخلق بهذا الخلق الكريم منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ، أَوْ يَضَعْ عَنْهُ»، وقوله عن رجل لم يزد فعله عن التجاوز عن الناس: «كَانَ الرَّجُلُ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ: إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِرًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، قَالَ: فَلَقِيَ اللَّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ»،ومن منا لا يطمع ويطمح إلى تجاوز الله تعالى عنه ومغفرته له وستره له بين خلقه في الدنيا والآخرة، وإقالة ذوي الهيئات آكد وأبلغ، فقد يكون المرء مستوراً مشهوراً بالخير معروفاً به فإذا زَلَّ زلة أو كبا جواده يوماً فلا تسارع إلى تأنيبه وعقوبته بل يجب عليك إقالة عثرته ما لم تكن حداً من حدود الله كما قال العلماء، هي دعوة للتحلي بهذا الخلق النبيل وأن تُقِيْل مَنْ استقالك (من مد يده لك للعون والصفح).

أَقِلْنِي أَقَالَكَ مَنْ لَمْ يَزَلْ * يَقِيْكَ وَيَصْرِفُ عَنْكَ الرَّدَى