الاثنين - 24 يونيو 2024
الاثنين - 24 يونيو 2024

السيرة الحياتية في الكتابة الليبية

عندما تتاح لنا فرصة الاقتراب أو الصداقة مع كاتب ما، فإننا نتعرف إلى تاريخه الشخصي وبسهولة نقبض على هذا التاريخ بين تفاصيل العمل الإبداعي، الذي لا يمكن أن يكون مجرد خيال صرف من دون تدخل خبرات وتجارب الكاتب في كتابة العمل، هنا سأتحدث عن بعض الكتب الليبية التي شكلت سيرة المكان أو سيرة مبدعها جزءاً من العمل، على الرغم من الإصرار من جانب الكتُاب على أنهم لا يكتبون سيرة أو أنهم يكتبون شبه سيرة ذاتية.. أعتقد أن الموضوع يقع في المسافة بين شخصية الكاتب وشخصية السارد.

في كتاب «سِجْنيّات» لا يرهق القاص عمر أبو القاسم الككلي القارئ بتاريخه الشخصي داخل زنزانة قضى بين جدرانها ما يقارب عشر سنوات، لكنه يثير فضوله لمتابعة صفحات تروي تجارب إنسانية لرفاق تلك الزنزانة.

إن أول ما يتبادر إلى ذهن القارئ أنه سيقرأ كتاباً عن عذابات السجن، ليكتشف من ثم أنها كتابة مغايرة لزنازين لا تشهد القسوة والآلام فقط، وإنما تجسد عالماً آخر يصنعه السجين كنوع من المقاومة للموت والحبس الانفرادي.


في كتابه «سيرة بني غازي» يكتب الروائي أحمد الفيتوري سيرة مدينة بنغازي التي شكلت البدايات مع علاقته بالكتابة، حيث كانت محطته الأولى منطقته «الصابري»، والتي تغنت بها الأغاني الشعبية بـ «الصابري عرجون الفل»، وما تبرزه هذه السيرة أنها تحاول أن تكون حية متفردة، مبنية على سرد نثري لذاكرة مسهبة في الحكي، يحتفي الكتاب أيضاً بسيرة شخصيات بنغازية معاصرة.


من يقرأ «سيرة بني غازي» يصاب بحالة نوستولوجيا، ولكن الفيتوري يرفض الفكرة موضحاً أنها: ليست حنيناً عاطفياً، لكنها كما كل البشر مشحونة بما يدعوه نيتشه بالعود الأبدي أو الفردوس المفقود في كل ميثولوجيا، فالبشر لا يملكون إلا ما مضى وتسرب من أياديهم وطبع النفوس.

في رواية «آزاتسي» يقدم الروائي مجاهد البوسيفي سيرة للمكان والأوطان، وللشخوص الذين التقى بهم في مركز اللجوء الإنساني بهولندا، من خلال علاقات إنسانية متباينة أجبرتها ظروف الحياة على تقبل الآخر طالما جمعهم مكان واحد، وهنا يحضر العالم كله ولا تحضر هولندا إلا نادراً لتبقى ليبيا هي المهيمنة على الأحداث.