الثلاثاء - 28 يناير 2020
الثلاثاء - 28 يناير 2020

رمضان.. اقتصاد المعرفة والانتصارات

يسود لدى كثير مِنَّا اعتقادٌ خَطَأ أنَّ رمضان شهرٌ للأكل والخمول، وهذا الاعتقادُ منافٍ لروح هذا الشهر الكريم، الذي يَحُثُّ على العَمَل وتجنُّب الإسراف والتبذير، وعلى الإكثار من فعل الخير بمساعدة الفقراء والمحتاجين.

إنَّه شَهرُ عمَل وعطاء.. شهر إبداع وتأمُّل؛ إذْ يَتَحرَّر الصائمُ طيلة يومه من الأكل والشرب، مِمَّا يُوفِّر له وقتاً ثميناً للتفكير في ابتكار طرائق جديدة تُمَكِّنه من إنجاز عمله بإتقان (فـ «الشبعة تُذهِب الفِطْنَة»، كما يُقال).

صحيحٌ أنَّه قد يَشُقُّ على العُمَّال اليدويين ممارسةُ كثير من أعمالهم في هذا الشهر، ولذلك دَأَبَت الدولُ الإسلامية على تقليل ساعات العمل في رمضان ومنع بعض الأعمال في أوقات الحَرِّ، حِرْصًا على صحة العمال وسلامتهم في هذا الشهر المبارَك، لكنَّ تلك الْمَشقَّة لا تنطبق على العمل الذهني والفكري، بل العكس، فإنَّ الصوم يَشْحَذ الذِّهنَ ويُقَوِّي روحَ الإبداع الفكري والعلمي لأنَّه يُحرِّر الصائمَ مِن هَمِّ الأكْل، فيُنفق وقتَه في التأمُّل والبحث عن وسائل جديدة لتطوير عمله وإنتاجه.


وإذَا كان مِنَ الممكن أن تَتأثَّر مصانعُ الحديد والإسمنت ووَرَشات بناء الجسور والطرق، وغيرها من المنشآت العمرانية خلال فترة الصوم، فإنَّ مناخ الإنتاج العلمي والاختراع التِّقني وغيرهما مِمَّا يقود إلى اقتصاد المعرفة - الذي أصبح السمةَ البارزة لحياتنا المعاصرة - يكون أفضلَ بكثير في شهر رمضان.

لكنَّ الإشكالَ يَكْمُن في الصورة التي انطبعت في أذهان كثير منَّا، وهي أنَّ رمضانَ شهرٌ للراحة لا للعمل والإنجاز، وأنَّ الصائمَ لا يستطيع أن يُنجِزَ سوى الصوم في نهاره والأكل في ليله!.. وهذه الصورة بعيدة من روح هذا الشهر العظيم وعن مفهوم أوائلنا له، فنحن إذَا رَجَعنا إلى تاريخنا نجد أنَّ كثيراً من الأمور العظيمة حدَثَ في رمضان، فالقرآن الكريم نزل فيه ( 13 ق. هـ /‏ 610م)، وفيه انتصر المسلمون في معارك كثيرة مثل بدر (2هـ /‏ 624م)؛ وفتح مكة (8هـ /‏ 630م)؛ والبويب (13هـ /‏ 634م) التي مَهَّدت للقادسية؛ ونهاوند (21هـ /‏ 641م)؛ وفتح الأندلس (92هـ /‏ 711م)؛ والزلاقة (479هـ /‏ 1086م)؛ وعين جالوت (658هـ /‏ 1260م)؛ وحرب رمضان (1393هـ /‏ 1973م)؛ وغيرها من أمور عظيمة لا تكاد تُحصَى.
#بلا_حدود