الاثنين - 17 يونيو 2024
الاثنين - 17 يونيو 2024

الغنوشي في باريس.. دبلوماسية الظل

زيارة زعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي إلى باريس، مطلع هذا الأسبوع، ذكرت التونسيين بلقاء باريس الشهير الذي جمعه بالرئيس التونسي الباجي قائد السبسي منتصف أغسطس عام 2015.. لقد حلّق راشد الغنوشي نحو باريس، وحيداً هذه المرة، والفارق بين الزيارتين دالّ على المسافة التي فصلت الرجلين والحزبين، وطبعت الحالة السياسية التونسية الراهنة.

قدّمت الدوائر القريبة من حركة النهضة رواية مفادها بأن الغنوشي حلّ ضيفاً على باريس، بدعوة رسمية فرنسية، ولم تفرج الخارجية الفرنسية عما يؤكد صواب الرواية، وبصرف النظر إن كان الأمر مبادرة «ماكرة» من الغنوشي أو استضافة «رسمية» فرنسية، فإن شيخ النهضة بادر إلى رحلته الفرنسية بعقل يسوده انشغالان، الأول: تفحص النيات الفرنسية حيال الموقف من الإخوان المسلمين، عشية مساعٍ برلمانية فرنسية للضغط تجاه إعلان جماعة الإخوان جماعة إرهابية أسوة بدول عربية ودولية، كثيرة رأت في الأمر ترياقاً لصداع العالم من الإرهاب.

الانشغال الثاني: تلمس الرؤية الفرنسية للمرحلة السياسية المقبلة في تونس، فالنهضة تعرف أن فرنسا معنية بالحالة السياسية التونسية لاعتبارات كثيرة متداخلة، وتوقن تبعاً لذلك أنه لا يمكن تجاوز المواقف والرؤى والدعم الفرنسي، وتدرك باريس أن النهضة فاعل أساسي في الراهن والمستقبل التونسيين، وتعي أن تحجيم اندفاع الحركة قد يقتضي أيضاً التعامل معها بوصفها قدراً تونسياً أو تعبيراً عن غياب البدائل.


الواضح من المؤشرات المتداعية منذ وصول الغنوشي إلى باريس أن الأخير سيكون مستمعاً إلى التصورات الفرنسية حول أكثر من ملف، وسيحاول الضيف الإسلامي أن يستجلي الرؤى الفرنسية للحالة السياسية التونسية الراهنة، على أبواب الموسم الانتخابي المقبل، كما سيحاول الغنوشي معرفة الموقف الفرنسي من الملف الليبي خاصة مع تزامن ذلك مع وصول المشير خليفة حفتر إلى باريس، ومن الحالة الجزائرية المتحركة، وفي ذلك سيحاول جاهداً تقديم النهضة حزباً سياسياً «مدنياً» جاهزاً للاضطلاع بمهام تستجيب للمنتظر الفرنسي، علّه يستجلبُ دعماً ثميناً في توقيت موسوم بهبوب الرياح من كل الاتجاهات.


تقدم الغنوشي ليمارس دبلوماسية الظل، كان الفارق في لقاء باريس بين الرئيس قائد السبسي والغنوشي، ورحلة باريس الأخيرة، عاكساً للتغيرات التي طالت المشهد التونسي، ومترجماً للبون الذي فصل الرجلين، لكن الرحلة الأخيرة للغنوشي لم تتقصد بحث سبل تدبير المرحلة السياسية المقبلة، بل كانت غايتها صون الحركة الإسلامية من رضوض لن تأتي سوى من الخارج، تبعاً لغياب من يمكن أن يفرمل سرعة الحركة الإسلامية التي استفادت من ضمور الأحزاب المدنية.