الاثنين - 24 يونيو 2024
الاثنين - 24 يونيو 2024

الجُود

في شهر الجود والخير حري بنا أن نتحدث عن هذا الخلق، إن الجود معناه البذل والعطاء، ومن أسماء الله تعالى الجواد الكريم، كما يقول الغزالي: «وهو سبحانه الّذي إذا قدر عفا، وإذا وعد وفى، وإذا أعطى زاد على منتهى الرّجاء، ولا يبالي كم أعطى ولمن أعطى، وإن رفعت حاجة إلى غيره لا يرضى، ولا يضيع من لاذ به والتجأ». ولا يكون الجود جوداً إلا لو كان لغير غرض، فالجود بذل بلا مقابل وبلا تطلع له، وكان رسولنا صلى الله عليه وسلم أجود الناس فعن ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ»(البخاري)، وأشار الحديث كما قال العلماء إلى ثلاث خصال في المصطفى الكريم، إنه صلى الله عليه وسلم كان أَجود النَّاس مُطلقاً، والثانية: إن جوده فِي رَمَضَان يفضل على جوده فِي سَائِر أوقاته والثالثة: إن جوده فِي عُمُوم النَّفْع والإسراع فِيهِ كَالرِّيحِ الْمُرْسلَة، وجود النبي صلى الله عليه وسلم يحيي القلوب كما تحيي الريح المرسلة بالمطر الأرضَ الميتة، والناظر في ديننا ليجد أن الجود يكون على أنواع منها: الجود بالنفس كالمجاهد في سبيل الله دفاعاً عن دين الله وعن الأوطان من كل معتدٍ أثيم، على حد قول الشاعر:

يجودُ بالنفسِ إذ ضنَّ الجوادُ بها

والجودُ بالنفسِ أقصى غايةِ الجودِ


ويكون الجود بالمال بالصدقات والتبرع في سائر شؤون الخير والبر، والحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وهناك الجود بالأخلاق والأقوال، وذكر منها الرسول صلى الله عليه وسلم صنوفاً متعددة: «إِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَتَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَتُكَ الْحَجَرَ وَالشَّوْكَ وَالْعَظْمَ عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَهِدَايَتُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّالَّةِ صَدَقَةٌ» (البخاري)، وفي رواية أخرى: « إِنَّ لكم بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» (مسلم)


والجود يكون بالموجود كما في مثلنا الشعبي، وتلك العبارة صاغها الحسن البصري بقوله: «بذلُ المجهودِ في بذلِ الموجودِ هو منتهى الجودِ» وصدق الشاعر:

إِنَّ الكَرِيْمَ لَيُخْفِي عَنْكَ عُسْرَتَهُ ... حَتَّى تَرَاهُ غَنِيًّا وَهْوَ مَجْهُوْدُ