الجمعة - 14 يونيو 2024
الجمعة - 14 يونيو 2024

عاداتنا.. وفُرجة المسارح

إذا كان التراث هو كل ما يتصل بالتنظيمات والممارسات الشعبية غير المكتوبة، والتي تستمد خاصية الجبر والإلزام من المجتمع؛ سواء ما يتصل منها بالعادات والتقاليد والمعتقدات أو ما تفرضه الظروف والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية المتحولة، والمتطورة من نماذج جديدة لمظاهر السلوك الشعبي بمختلف أشكاله، فإن كل متغيرات في المجتمع تقتضي متغيرات في التراث الثقافي الممارس.

ولعلنا نعلم أن التراث الذي وصل إلى آبائنا ليس هو بالضرورة تراث آبائهم أي أنه قد تغير ولو قليلاً مع الاحتفاظ بالفكرة والأصل والهدف، وهكذا سنجد أن التراث الثقافي كائن حي يعيش في مجتمعاتنا ويُنتَج عنها، ويكتسب خصائصه ومميزاته من تطور المجتمعات وتناميها.

وإذا كُنَّا نعيش في عصر التطور الإلكتروني الصاخب، وأصبحت حياتنا تعج بالمتغيرات التقنية والحضارية، فإن هذا لا يعني التخلي عن تلك العادات والممارسات التقليدية ذات الطابع الشعبوي، ذلك لأن هذا التطور التقني هو محفز على تطوير هذه العادة واستعادتها بروح العصر مع الحفاظ على أصل الفكرة، حتى تكون متبناة من أبناء هذا الجيل، لا التخلي عنها وإماتتها بزعم التطور التكنولوجي.


إن في منطقة الخليج العربي عادات وتقاليد وممارسات شعبية لها الأثر الحضاري والاجتماعي الذي قد لا يدركه البعض، والذي يعتبر التطور الحضاري فرصة للتخلي عنها، بينما يرى آخرون بقاء هذه الممارسات وربما دافعوا عنها للحفاظ عليها كما هي لا يطولها المساس، حينما خرج عليها البعض الآخر من منطلقات دينية شتى.


والحال أن هذه العادات والتقاليد أصبحت بين الشد والجذب بين هذه الفرق، حتى لم نعد نراها إلا في أماكن (الفُرجة)؛ في المسارح والمعارض والقرى التراثية الاصطناعية، وساحات المراكز التجارية الضخمة في المناسبات والأعياد، وهو أمر يُخرج هذه العادة من إطارها الاجتماعي الذي وُضعت له إلى إطار لا تقوم فيه سوى بدور المؤدي، فهي عرض للحضور والمارة، وفي هذا سنجد أن عادة كـ «القرنقشوة» أو «القرقيعان» اللتين تؤديان في منتصف شهر رمضان وقبلهما «الشعبانية»، أصبحت تؤدَّى على المسارح بدلاً من الأحياء، الأمر الذي يُخرجها من إطارها الثقافي والاجتماعي إلى الإطار الفرجوي العام، وعلى الرغم من أن هذه الممارسة الفرجوية قد تدعم وجود تلك العادات في المجتمع وتعززه من الناحية المعرفية العامة، إلا أنها ليست الحل المناسب والمتماشي مع متغيرات العصر، ذلك لأن هذه الممارسات تُبعد العادات عن انتمائها المجتمعي الشعبي، والأصل أننا نحتاج إلى تطويرها ضمن هذا الانتماء.