الثلاثاء - 28 يناير 2020
الثلاثاء - 28 يناير 2020

غاندي.. والسياسة الهندية المعاصرة

د. مجيب الرحمن
دكتور في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة جواهر لال نهرو ـ نيو دلهي، له مؤلفات وترجمات ومقالات منشورة في صحف عربية وغيرها من الجرائد بالهند.
لم يكن بدعاً لمّا وصفت الراهبة «سادفي براتيغيا ثاكور» - مرشحة حزب بهارتيا جاناتا الحاكم لنائب البرلمان من دائرة بوفال الانتخابيّة والمتّهمة بالتّورُّط في حادثة تفجير إرهابيّة منذ سنوات - ناثورام غودسيه قاتلَ غاندي بـ «محب الوطن» ثم اعتذرت عن قولها؛ لأنّه لا تزال هناك طبقة في الهند تكره فكر غاندي وموقفه السّياسيّ حيال المسلمين، وتمجّد قاتله، غير أنّ حدّة الهجوم على غاندي ازدادت لا سيّما في الجوّ الانتخابي المحموم.

جاء ذلك رد فعل على تصريح كمالا حسن أحد أشهر نجوم السّينما التّاميليّة في حملة انتخابيّة قبل أيام، بأنّ قاتل غاندي هو أول إرهابي هندوسي في تاريخ الهند المستقلة؛ ما أثار حفيظة بعض المنظّمات الهندوسيّة، وانبرى بعض زعمائها يهاجمون كمالا حسن، وبالفعل رفعت قضية ضدّه في المحكمة، وفي الماضي أيضاً وردت تصريحات لبعض زعمائها تمجّد غودسيه، وتبرّر صنيعه، وهو اتّجاه خطير في الظّروف السّياسيّة الهنديّة الرّاهنة.

يُعدّ غاندي أباً للهند الحديثة، ومرشدها الرّوحي، وقائدها السّياسي العظيم في كفاحها من أجل الاستقلال عن الاستعمار البريطاني عن طريق اللاعنف، وهو منير الدّرب للبشريّة نحو إيجاد الحلول السّلميّة للنّزاعات، وهو الذي لقب بالـ «مهاتما» أيّ الرّوح العظمى، وعُدّ من كبار الشّخصيّات في تاريخ البشريّة، ووصفه العالم الشهير ألبرت آينشتاين بأعظم عبقرية سياسيّة عرفتها حضارتنا.


يهيمن فكر غاندي على معظم مجالات الحياة الهنديّة؛ فصورته تزيّن الأوراق النّقديّة للعملة الهنديّة، وأُطلق اسمه على عدد هائل من المؤسّسات الوطنية، ولم تكن هناك أبداً أيّ شبهة تحيط بكونه مؤسّس الهند الحديثة ومرشدها الرّوحي؛ فذلك مقام مسلَّم به بين القاصي والداني.

وفي أعقاب تقسيم الهند إلى شطرين الهند وباكستان في عام 1947م، واندلاع أحد أسوأ الاضطرابات الطائفيّة في كلّ من الهند وباكستان؛ حيث قتل مئات الألوف من المسلمين والهندوس، وصارت الأوضاع أشبه بالقيامة الصّغرى، كان لغاندي دور كبير في إيقاف حوادث القتل ضدّ المسلمين، وتطبيع الأوضاع، وإذا نجحت الهند في تأسيس بلد ديمقراطي تقدمي يضمن الحقوق المتساوية لجميع المواطنين؛ فالفضل في ذلك مردّه إلى القيادة السياسية الهنديّة الحكيمة، التي اعتمدت أحد أكثر الدساتير تقدميّة في العالم تحت الإشراف المباشر لغاندي.

ولماّ تعرّض غاندي للاغتيال على يد ناثو رام غودسيه غرق العالم كلّه في حزن عميق على هذه الخسارة العظمى للإنسانيّة جمعاء.

ومع ذلك آمل أن يبقى غاندي ممثلاً لروح الهند الحضاريّة؛ فغاندي يرمز - حقيقة ـ لكل جميل في الهند وفي الإنسانيّة جمعاء.
#بلا_حدود