الخميس - 20 يونيو 2024
الخميس - 20 يونيو 2024

حسن الأسلوب

خلق خفي له أثر بالغ في مودة الناس ومحبتهم وتآلفهم، والحسن: ضد القبح، والأسلوب: هو كل طريق ممتد وهو الوجه والمذهب، لذلك فإن حسن الأسلوب هو أن يكون مذهبك مع الناس حسناً وكلامك ليناً، وتدرك وقع كلماتك لتحسن اختيارها، فكما قال الشاعر:

جراحات السِّـنانِ لها الْتِئَـامٌ ولا يَلْتـَامُ ما جرحَ اللسانُ

وقد يُرجى لجرحِ السيف برؤٌ وَجرْحُ الدهرِ ما جرَحَ اللسانُ


والله تعالى قد أمرنا بحسن الأسلوب وبالقول الحسن مع الناس فقال سبحانه: «وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا» وقُرِئَت «حَسَنًا» (البقرة)، قال المفسرون في شرحها: هو أمر باللين في القول والمعاشرة بحسن الخلق، كلموهم بما تحبون أن يقولوا لكم، وقال القرطبي: «قُولُوا لَهُمُ الطَّيِّبَ مِنَ الْقَوْلِ، وَجَازُوهُمْ بِأَحْسَنِ مَا تُحِبُّونَ أَنْ تُجَازَوْا بِهِ. وَهَذَا كُلُّهُ حَضٌّ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، فينبغي للإنسان أن يكون قوله لِلنَّاسِ لَيِّنًا وَوَجْهُهُ مُنْبَسِطًا طَلْقًا مَعَ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، وَالسُّنِّيِّ وَالْمُبْتَدِعِ، مِنْ غَيْرِ مُدَاهَنَةٍ، وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَكَلَّمَ مَعَهُ بِكَلَامٍ يَظُنُّ أَنَّهُ يُرْضِي مَذْهَبَهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِمُوسَى وَهَارُونَ: (فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً) فَالْقَائِلُ لَيْسَ بِأَفْضَلَ مِنْ مُوسَى وَهَارُونَ، وَالْفَاجِرُ لَيْسَ بِأَخْبَثَ مِنْ فِرْعَوْنَ، وَقَدْ أَمَرَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى بِاللِّينِ مَعَهُ».


معانٍ راقية نبيلة لا ينبغي لنا أن نتخلى عنها لضمان صلاح مجتمعاتنا ووحدتها وقوتها، يقول ابن كثير: كَلِّمُوهُمْ طَيِّبًا، ولينُوا لَهُمْ جَانِبًا. والمرء مطالب بحسن القول والفعل معا، وإن عدم الفعل فليس أقل من أن يجود بالقول الحسن كما قال المتنبي:

لَا خَيْلَ عِنْدَكَ تُهْدِيْهَا وَلَا مَالُ فَلْيُسْعِدِ النُّطْقُ إِنْ لَمْ تُسْعِدِ الحالُ

وإذا أساء أحدنا التعبير ونأى عن الأسلوب الحسن فإنه يفسح المجال للشيطان ليوقع العداوة والبغضاء بينه وبين أحبابه وأصدقائه أو زملائه، وصدق الله العظيم: «وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا» (الإسراء)

يقول الشيخ محمد أبو زهرة موضحاً سبب أمر الله تعالى عباده بالقول الحسن: «إن الشيطان ينزغ بينهم، أي يهيج الشر بينهم فتكون المخاشنة داعية إلى الجفوة، والجفوة تبعد النفوس عن الحق أو تزيدها بعدا، بينما الكلمة الطيبة والمعاملة الحسنة، والمودة في غير إثم تُقَرِّبُ، ولا تُنَفِّرُ، وأكد الله هذا النزغ الشيطاني بقوله تعالى: (إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا)، وقد نقلوا عن فيلسوف قوله: «كثيرًا ما نرفض فكرةً ما لمجرد أن النَّبْرة التي قيلت بها تُثِيرُ النفورَ». فانتبه لكلماتك ونبراتك! واحذر ما يؤذيك ويؤذي غيرك.