الجمعة - 30 يوليو 2021
الجمعة - 30 يوليو 2021

أوروبا.. تقاوم الهوس الشّعبوي

مصطفى طوسه
إعلامي ومحلل سياسي فرنسي من أصل مغربي مقيم في باريس، حاصل على دبلوم المعهد الفرنسي للإعلام والصحافة في باريس، كاتب افتتاحيات في عدة منابر إعلامية، يتداخل باستمرار على قنوات التلفزة العربية والفرنسية.
تنفّست أوروبا الصعداء بعد صدور النتائج النهائية لانتخابات الأوروبية، حيث كان الفزع ظاهراً على مسارحها السياسية وواجهاتها الإعلامية، من أن يستقطب التيارالشَّعبوي الحاقد على البنيان الأوروبي شرائح واسعة من رأيها العام، ويدخل المشروع الأوروبي في دينامكيَّة التفكك، والحلم الوحدوي في وتيرة التلاشي.

غير أن النتائج جاءت مطمئنة في مجملها، لجهة أن التوازنات البنيوية في البرلمان الأوروبي لم تشهد زلزالاً يوحي بقرب اندثار المؤسسات الأوروبية، فاليمين المتطرف بالرغم من أنه حقق نتائج إيجابية في بعض البلدان مثل: فرنسا إيطاليا وهنغاريا، إلا أنه لم يستطع إحداث الاكتساح التاريخي الذي كانت واشنطن وموسكو تحلمان به، ومن شأنه أن يهدد ركائز الاتحاد الأوروبي.

خلافاً لكل التوقعات المتشائمة التي ألهمتها عملية البريكست الفاشلة، ظهر جلياً أن ثلثي الأوروبيين متمسكون بمصير البيت الأوروبي الموحد، والثلث الآخر يصبو إلى عملية نسفه من الداخل أو على الأقل المساهمة في شل حركته.

إضافة إلى هذا الأفق ـ الذي يبقي الشعوبيين في خانة الأقليات في البرلمان الأوربي ويحرمهم من وسائل التأثير في الواقع الاقتصادي والاجتماعي ـ كانت هناك مفاجأتان سارتان بالنسبة للأوروبيين، الأولى: نسبة المشاركة القوية، التي عكست شعوراً بالاستعجال والخطر، الذي كان ينتاب المساندين للمشروع الأوروبي، والثانية: النتيجة التاريخية التي حققتها الأحزاب المدافعة عن البيئة، والتي استقطبت أصوات الشباب، وجعلت الاهتمامات البيئية أولويات حيوية لمستقبل الفضاء الأوروبي.

أما في فرنسا التي ركزت الأضواء فيها على حصول حزب مارين لوبين المتطرف على المرتبة الأولى، فمن أهم العبر التي يمكن أن نستخلصها من نتائج هذه الانتخابات أنها أسست ورسخت لمنازلة سياسية بين قطبيين.

الأول يجسده إيمانويل ماكرون وحزبه «الجمهورية إلى الأمام» الليبرالي، والثاني مارين لوبين وحزبها «التجمع الوطني» المتطرف.. هذه الثنائية اعتبرها البعض بمثابة نتيجة سياسة ماكيافيلية للرئيس ماكرون، الذي حصل في آخر المطاف على ما يصبو إليه عبر إضعاف القوى التقليدية والاستفراد باليمين المتطرف، مُراهناً على قناعة واضحة من أن هذا اليمين المتطرف يعاني من ظاهرة ما يسمي بالسقف الزجاجي، الذي لا يسمح له باستقطاب أكثر من ربع أصوات الفرنسيين، ومن ثم يعبّد لنفسه الطريق لولاية ثانية.. إنها هزيمة بمذاق نجاح بالنسبة الرئيس ماكرون.
#بلا_حدود