السبت - 18 سبتمبر 2021
السبت - 18 سبتمبر 2021

الانزواء بالكتب

د. شهد الراوي
روائية من العراق من مواليد 1986، صدرت لها رواية «ساعة بغداد» وترجمت إلى لغات أجنبية عدة، ووصلت القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، وحصلت على جائزة «مهرجان أدنبرة للرواية الأولى» 2018 حاصلة على الدكتوراه في الأنثربولوجيا الإدارية، وشاركت في عدد من المهرجانات الأدبية العالمية والإقليمية.
تتحدث الروائية الهنغارية «أغوتا كريستوف» عن حياتها في مدينتها كوزرغ، التي ولدت فيها، وكتبت عنها روايتها «الدفتر الكبير». تتذكر بيتها وسنوات تأسيسها الثقافي، فتقول: «كنت أتشاجر مع أخوتي على الكتب ... كانت الكتب تحتل مكانة بارزة في حياتنا، باستثناء أمي التي ما كانت الكتب تعني لها شيئاً .. كانت تثور وهي ترى أطفالها وزوجها وقد انزوى كل منهم في ركن حاملاً كتاباً».تركت أغوتا مدينتها الحدودية مع النمسا وتوجهت نحو سويسرا ولم تكن تتكلم أي لغة سوى الهنغارية، حتى اللغة الروسية التي كانت إجبارية في المدارس ما كانت تعرفها، لكنها تعلمت الفرنسية لوحدها وأصبحت من أشهر الكاتبات في عالمنا.

الحال لم تختلف معنا كثيراً، أقصد الحال في بيوتنا هذه الأيام، فكل منا يحمل هاتفه الجوال وينزوي في ركن ما من البيت، وإذا ثار أحد ما ضد هذا الوضع، فإنهن في الأغلب الأمهات.

لم تتغير أداة الانزواء وحدها في زمننا، تغير المحتوى أيضاً، فهناك فرق كبير نعرفه جميعاً بين الكتاب و(الآي فون).. فنحن أسرى التايم لاين. نلهث وراء الأحداث والحملات المجهولة المصدر والأهداف والتنمر والتصريحات والأخطاء التي يقع فيها الآخرون. بلا هدف نتابع كل ما لا يهمنا، وأحياناً نسهم فيما لا يعنينا ثم ننسى كل شيء.. التايم لاين هو أسرع ماكينة لممارسة النسيان، لكن ماذا حدث في الأسبوع الماضي؟.. لا أحد يتذكر، لأن أحداث اليوم تشغلنا وتستنفد طاقتنا.. نحن لا نعيش عصر السرعة كما نعتقد، نحن نعيش عصر الزوال السريع. زوال أهمية الأشياء بعد حدوثها مباشرة.

تضيف أغوتا كريستوف عن أمها «أما اليوم فقد صارت تعاتب أخي الأكبر لأنه لم يكتب مثلنا نحن»، لقد أدركت الأم أهمية انزواء عائلتها مع الكتب فيما بعد. والسؤال هو ماذا تنتظر أمهاتنا من عزلتنا الاختيارية؟.. هل سنكون في يوم ما من أبطال التايم لاين. سريعو الحضور، وسريعو الزوال أيضاً.
#بلا_حدود